عبد القادر الجيلاني

158

فتوح الغيب

ورؤيتك بشيء من الأشياء أو طلبك بشيء من الأشياء ، وتشوّق نفسك إلى شيء من الأعواض « 1 » دنيا وأخرى . فما دام فيك شيء من ذلك فأنت في باب الإفناء ، فاسكن حتّى يحصل الفناء على التّمام والكمال ، فتخرج من الكير وتكمّل صياغتك وتجلّى وتكسى وتطيّب وتبخّر ، ثمّ ترفع إلى الملك الأكبر ، فتخاطب ب إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ [ يوسف : 54 ] . فتؤانس وتلاطف ، وتطعم من الفضل ومنه تسقى وتقرّب وتدنى وتطّلع على الأسرار وهي عنك لا تخفى ، فتغنى بما تعطى من ذلك عن جميع الأشياء . ألا ترى إلى قراضة الذّهب متفرّقة مبتذلة متداولة ، غادية رائحة في أيدي العطّارين والبقّالين والقصّابين والدّبّاغين والنفّاطين « 2 » والكنّاسين والكفّافين ، أصحاب الصّنائع النّفيسة والرّذيلة الدّنيّة الخبيثة ، ثمّ تجمع فتجعل في كير الصّائغ « 3 » فتذوب هناك بإشعال النّار عليها ، ثمّ تخرج منه فتطرق وترقّق وتطلع وتصاغ فتجعل حليّا ، ثمّ تجلّى وتطيّب فتترك في خير المواضع والأمكنة من وراء الأغلاق في الخزائن والصّناديق والأحقاق « 4 » وتحلّى بها العروس وتزيّن وتكرّم ، وقد تكون العروس للملك الأعظم . فتنقل القراضة « 5 » من هذه الأشياء إلى قرب الملك ومجلسه بعد السّبك والدّقّ . هكذا أنت يا مؤمن إذا صبرت على مجاري الأقدار فيك ورضيت بالقضاء في جميع الأحوال قربت إلى مولاك عزّ وجلّ في الدّنيا ، فتنعّم بالمعرفة والعلوم والأسرار ، وتسكن في الآخرة دار السّلام مع الأنبياء والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين في جوار اللّه وداره وقربه عزّ وجلّ ، فاصبر ولا تستعجل ، وارض بالقضاء ولا تتّهم ، فسينالك برد عفو اللّه ولطفه وكرمه بمنّه تعالى .

--> ( 1 ) في نسخة : ( الأعراض ) . ( 2 ) تحرف في المطبوع إلى : ( والنقاطين ) . والنّفّاط : الذي يرمي بالنفط والنار بأداة من النحاس . ( 3 ) في المطبوع : ( الصانع ) . ( 4 ) جمع حقّة ، وهي : وعاء يوضع فيه الطيب . ( 5 ) تحرف في المطبوع إلى : ( القراصنة ) .