عبد القادر الجيلاني
131
فتوح الغيب
--> - فأما المدّعون للحقيقة بدون مراعاة الأمر والنهي الشرعيين ، فهم ضالّون كالذين يعرفون الأمر والنهي ولا يفعلون إلا ما يهوونه من الكبائر ، فإنهم فسّاق ، وهؤلاء الذين قيل فيهم : « احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل ، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون » . والحقيقة : قد تكون قدرية ، وقد تكون ذوقية ، وقد تكون شرعية ، ولفظ الشرع يتناول المنزّل والمؤوّل والمبدّل [ في نسخة : المبدّل والمؤوّل والمنزّل ] . والمقصود هنا : ذكر أهل الاستقامة من الطائفتين ، والكلام على حال أهل العبادة والإرادة ، الذين خرجوا عن الهوى ، وهو الفرق الطبعي ، وقاموا بما عملوه [ في نسخة : علموه ] من الفرق الشرعي . وبقي قسم ثالث ليس لهم فيه فرق طبعي ، ولا عندهم فيه فرق شرعي ، فهو الذي جروا فيه مع الفعل والقدر . وأما من جرى مع الفرق الطبعي : إما عالما بأنه عاص وهو العالم الفاجر ، أو محتجّا بالقدر ، أو بذوقه ووجده ، معرضا عن الكتاب والسنة ، وهو العابد الجاهل . فهذا خارج عن الصراط المستقيم . وهذا ممّا بيّن كمال حال [ في نسخة : حال كمال ] الصحابة رضي اللّه عنهم ، وأنهم خير قرون هذه الأمة ، إذ كانوا في خلافة النبوة يقومون بالفروق الشرعية في جليل الأمور ودقيقها مع اتساع الأمر ، والواحد من المتأخرين قد يعجز عن معرفة الفروق الشرعية فيما يخصّه ، كما أنّ الواحد من هؤلاء يتّبع هواه في أمر قليل . فأولئك مع عظيم ما دخلوا فيه من الأمر والنهي لهم العلم الذي يميّزون به بين الحسنات والسيئات ، ولهم القصد الحسن الذي يفعلون به [ في نسخة : فيه ] الحسنات ، والكثير من المتأخرين العالمين والعابدين يفوت أحدهم العلم في كثير من الحسنات والسيئات ، حتّى يظنّ السيئة حسنة وبالعكس ، أو يفوته القصد في كثير من الأعمال ، حتى يتبع هواه فيما وضح له من الأمر والنهي . فنسأل اللّه أن يهدينا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . هذا لعمري إذا كان عند العالم ما هو أمر الشارع ونهيه حقيقة ، وعند العابد حسن القصد ، الخالي عن الهوى حقيقة ، فأما من خلط الشرع المنزّل بالمبدّل والمؤوّل ، وخلّط القصد الحسن باتباع الهوى ، فهؤلاء وهؤلاء مخلّطون في علمهم وعملهم ، وتخليط هؤلاء في العلم سوى تخليطهم وتخليط غيرهم في القصد ، وتخليط هؤلاء في القصد سوى تخليطهم وتخليط غيرهم في العلم ؛ فإنه من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم . وحسن القصد من أعون الأشياء على نيل العلم ودركه . والعلم الشرعيّ من أعون الأشياء على حسن القصد والعلم [ في نسخة : والعمل ] الصالح ، فإن العلم قائد ، والعمل سائق ، والنفس حرون ، فإن ونى [ أي : ضعف ] قائدها لم تستقم لسائقها ، وإن ونى سائقها لم تستقم لقائدها ، فإذا ضعف العلم حار السالك ولم يدر أين يسلك ، فغايته أن يستطرح -