عبد القادر الجيلاني

132

فتوح الغيب

--> - للقدر ، وإذا ترك العمل حار السالك عن الطريق فسلك غيره مع علمه أنه تركه . فهذا حائر لا يدري أين يسلك مع كثرة سيره ، وهذا حائد [ في نسخة : حائر . خطأ ] عن الطريق زائغ عنه مع علمه به . قال تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [ الصف : 5 ] . هذا جاهل وهذا ظالم . قال تعالى : وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [ الأحزاب : 72 ] . مع أن الجهل والظلم متقاربان ، لكن الجاهل لا يدرى أنه ظالم ، والظالم جهل الحقيقة المانعة له من العلم . قال تعالى : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [ النساء : 17 ] . قال أبو العالية : سألت أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فقالوا ( لي ) : كل من عصى اللّه فهو جاهل ، وكل من تاب قبل الموت ، فقد تاب من قريب . وقد روى الخلّال عن أبي حيّان التيمي قال : العلماء ثلاثة : فعالم باللّه ليس عالما بأمر اللّه ، وعالم بأمر اللّه ليس عالما باللّه ، وعالم باللّه وبأمر اللّه . فالعالم باللّه الذي يخشاه ، والعالم بأمر اللّه الذي يعرف أمره ونهيه . قلت : والخشية تمنع اتباع الهوى . قال تعالى : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [ النازعات : 40 - 41 ] . والكمال في عدم الهوى ، وفي العلم ، ( وذلك ) هو لخاتم الرسل صلّى اللّه عليه وسلم الذي قال فيه : وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ( 1 ) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ( 2 ) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ النجم : 1 - 4 ] . فنفى عنه الضلال والغي ، ووصفه بأنه : لا [ في نسخة : ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ، فنفى الهوى وأثبت العلم الكامل ، وهو الوحي . فهذا كمال العلم ، وذاك كمال القصد . ووصف أعداءه بضدّ هذين ، فقال تعالى : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى [ النجم : 23 ] . فالكمال المطلق للإنسان ، هو : تكميل العبودية للّه علما وقصدا . قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . وقال تعالى : وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [ الجن : 19 ] . وقال تعالى فيما حكاه عن إبليس : قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ ص : 82 - 83 ] . وقال تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ * [ الحجر : 42 والإسراء : 65 ] . وقال تعالى : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ [ يوسف : 24 ] . وقال تعالى : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 ) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [ النحل : 99 - 100 ] . وعبادته ( تعالى : هي ) طاعة أمره ، وأمره لنا : ما بلغه الرسول عنه ، فالكمال في كمال طاعة اللّه ورسوله باطنا وظاهرا ، ومن كان لم يعرف ما أمر اللّه به ، فترك هواه ، واستسلم للقدر ، أو اجتهد في