عبد القادر الجيلاني
130
فتوح الغيب
--> - لها أصل ، ولا نظير . هذا مع كثرة نظرهم في خطاب الشارع ومعرفة معانيه ، ودلالته على الأحكام ، فكيف من لم يكن كذلك ؟ ! . ثم السالك ليس قصده معرفة الحلال والحرام ، بل مقصوده : أن هذا الفعل المعيّن خير من هذا ، وهذا خير من هذا ، وأيّهما أحبّ إلى اللّه في حقّه في تلك الحال ، وهذا باب واسع لا يحيط به إلا اللّه ، ولكل سالك حال تخصه قد يؤمر فيها بما ينهى عنه غيره ، ويؤمر في حال بما ينهى عنه في حال آخر [ في نسخة : في أخرى ] . فقالوا : نحن نفعل الخير بحسب الإمكان ، وهو فعل ما علمنا أنّا أمرنا به ، ونترك أصل الشّرّ ، وهو هوى النفس ، ونلجأ إلى اللّه فيما سوى ذلك ، أن يوفقنا لما هو أحبّ إليه وأرضى له ، فما استعملنا فيه رجونا أن يكون من هذا الباب ، ثم إن أصبنا فلنا أجران ، وإلّا فلنا أجر ( واحد ) ، وخطؤنا محطوط عنّا ، فهذا هذا . وحينئذ فمن قدّر أنه علم المشروع وفعله فهو أفضل من هذا ، ولكن كثير ممّن يعلم المشروع لا يفعله ولا يقصد أحب الأمور إلى اللّه ، وكثير منهم يفعله بشوب من الهوى ، فيبقى هذا فعل المشروع بهوى ، وهذا ترك [ في نسخة : يترك ] ما لم يعلم أنه مشروع بلا هوى . فهذا نقص في العلم ، وذاك نقص في العمل ؛ إذ العمل بهوى النفس نقص في العمل ، ولو كان المفعول واجبا . فيقال : إن تاب صاحب الهوى من هواه كان أرفع بعلمه ، وإن لم يتب فله نصيب من عالم السوء ، ولهذا تشاجر رجلان من المتقدمين عام الحكمين في مثل هذا ، فقال أحدهما لصاحبه : إنّما مثلك مثل الكلب إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [ الأعراف : 176 ] . وقال الآخر : أنت كالحمار يَحْمِلُ أَسْفاراً [ الجمعة : 5 ] . فهذا أحسن قصدا وأقوى علما . ولهذا تجد أصحاب حسن القصد إنما يعيبون على هؤلاء : اتّباع الهوى وحب الدنيا والرئاسة . وأهل العلم يعيبون على أولئك : نقص علمهم بالشرع ، وعدولهم عن الأمر والنهي . فهذا هذا . واللّه تعالى ( هو ) المسؤول أن يهدينا إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا . وقد قال بعض أهل الفقه والزهد : من الناس من سلك الشريعة ، ومنهم من سلك الحقيقة . ولعله أراد هؤلاء وهؤلاء ؛ فإن هؤلاء يرجّحون بما ييسره اللّه مع حسن القصد واتّباع الأمر والنهي المعلوم لهم مع خفاء الأدلة الشرعية في ذلك المتيسر لهم ، وهؤلاء يرجحون بالأدلة الشرعية من الظواهر والأقيسة ، وأخبار الآحاد وأقوال العلماء مع خفاء الأمر المتيسر لهم . وأيضا فهؤلاء قد يشهدون ما في ذلك الفعل المقدور [ في نسخة : المقدر ] من المصلحة والخير ، فيرجّحونه بحكم الإيمان ، وإن لم يعرفوا دليلا من النص على حسنه ، وأولئك إنما يرجحون من النصوص [ في نسخة : بالنصوص ] ، وما استنبط منها . فهؤلاء لهم القرآن ، وهؤلاء لهم الإيمان . وسبب هذا : أنّ كلا من الطائفتين خفي عليه ما مع الأخرى من الحق ، وكل من الطائفتين في طريقها حقّ وباطل . -