عبد القادر الجيلاني
119
فتوح الغيب
المقالة الثّامنة عشرة في النّهي عن الشّكوى الوصيّة : لا تشكونّ إلى أحد ما نزل بك من خير كائنا من كان صديقا أو عدوّا ، ولا تتّهمنّ الرّبّ عزّ وجلّ فيما فعل فيك وأنزل بك من البلاء ، بل أظهر الخير والشّكر ، فكذبك بإظهارك للشّكر من غير نعمة عندك خير من صدقك في إخبارك جليّة الحال بالشّكوى ، من الّذي خلا من نعمة اللّه عزّ وجلّ ؟ . قال اللّه تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 والنحل : 18 ] . فكم من نعمة عندك وأنت لا تعرفها ؟ . لا تسكن إلى أحد من الخلق ، ولا تستأنس به ، ولا تطلع أحدا على ما أنت فيه ، بل يكون أنسك باللّه عزّ وجلّ وسكونك إليه ، وشكواك منه وإليه لا ترى ثانيا ، فإنّه ليس لأحد ضرّ ولا نفع ، ولا جلب ولا دفع ، ولا عزّ ولا ذلّ ، ولا رفع ولا خفض ، ولا فقر ولا غنى ، ولا تحريك ولا تسكين ، الأشياء كلّها خلق اللّه عزّ وجلّ وبيد اللّه عزّ وجلّ ، بأمره وبإذنه « 1 » جريانها ، و كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى * [ الرعد : 2 وفاطر : 13 والزمر : 5 ] ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [ الرعد : 8 ] ، لا مقدّم لما أخّر ، ولا مؤخّر لما قدّم ، قال اللّه عزّ وجلّ : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ يونس : 107 ] . فإن شكوت منه عزّ وجلّ وأنت معافى وعندك نعمة ، طالبا الزيادة ، وتعاميا عن ماله عندك من النّعمة والعافية استهزاء بها ، غضب عليك وأزالهما عنك ، وحقّق شكواك ، وضاعف بلواك ، وشدّد عقوبتك ومقتك وقلاك ، وأسقطك من عينه . احذر الشّكوى جدّا ولو قطّعت وقرض لحمك بالمقاريض .
--> ( 1 ) في المطبوع : ( وإذنه ) .