عبد القادر الجيلاني

116

فتوح الغيب

الخوف ولا في الرّجاء ، هُوَ عزّ وجلّ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ [ المدثر : 56 ] . فكن أبدا ناظرا إلى فعله مترقّبا لأمره ، مشتغلا بطاعته ، مباينا عن جميع خلقه دنيا وأخرى . لا تعلّق قلبك بشيء منهم ، واجعل الخليقة أجمع كرجل كتّفه سلطان عظيم ملكه ، شديد أمره ، مهولة صولته وسطوته . ثمّ جعل الغلّ في رقبته مع رجليه « 1 » ، ثمّ صلبه على شجرة الأذرة « 2 » ، على شاطىء نهر عظيم موجه ، فسيح عرضه ، عميق غوره ، شديد جريه . ثمّ جلس السّلطان على كرسيّه « 3 » ، عظيم قدره ، عال سماؤه ، بعيد مرامه ووصوله ، وترك إلى جنبه أحمالا من السّهام والرّماح والنّبل وأنواع السّلاح والقسيّ « 4 » وممّا لا يبلغ قدرها غيره ، فجعل يرمي إلى المصلوب بما شاء من ذلك السّلاح ، فهل يحسن لمن يرى ذلك أن يترك النّظر إلى السّلطان والخوف منه والرّجاء له ، وينظر إلى المصلوب ويخاف منه ويرجوه ، أليس من فعل ذلك يسمّى في قضيّة العقل عديم العقل والحسّ مجنونا ، بهيمة غير إنسان ؟ . نعوذ باللّه من العمى بعد البصيرة ، ومن القطيعة بعد الوصول ، ومن الصّدود بعد الدّنوّ والقرب ، ومن الضّلالة بعد الهداية ، ومن الكفر بعد الإيمان . فالدّنيا كالنّهر العظيم الجاري الّذي ذكرناه . كلّ يوم في زيادة ماء وهي شهوات بني آدم ولذّاتهم فيها ، والدّواهي الّتي تصيبهم منها . وأمّا السّهام وأنواع السّلاح ، فالبلايا الّتي يجري بها القدر إليهم ، فالغالب على بني آدم في الدّنيا : البلايا ، والنّقم « 5 » ، والآلام ، والمحن . وما يجدون من النّعم واللّذّات فيها

--> ( 1 ) قال اللّه تعالى : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [ يس : 8 ] . بأن تضمّ إليها الأيدي ؛ لأن الغل يجمع اليد إلى العنق . ( 2 ) لعلها الأرزة . ( 3 ) في نسخة : ( كرسيّ ) . ( 4 ) في المطبوع : ( والقسا ) . والقسيّ : القوس والنشاب . ( 5 ) في المطبوع : ( والنفع ) . والنّقمة : المكافأة بالعقوبة .