عبد القادر الجيلاني

95

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

وفتنته وفقره فيقطع عنه مدد إيمانه فيكفر بالاعتراض والتهمة له عزّ وجلّ والشك في وعده فيموت كافرا باللّه عزّ وجلّ جاحدا لآياته ومسخطا على ربه ، وإليه أشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل جمع اللّه له بين الدنيا وعذاب الآخرة » نعوذ باللّه من ذلك وهو الفقر المنسي الذي استعاذ منه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والرجل الثاني هو الذي أراد اللّه عزّ وجلّ اصطفاء واجتباءه وجعله من خواصه وأحبابه وأخلائه وورث أنبياءه وسيد أوليائه ، ومن عظماء عباده وعلمائهم وحكمائهم وشفعائهم وشيخهم ومتبوعهم ومعلمهم وهاديهم إلى مولاهم ، ومرشدهم إلى سبيل الهدى واجتناب سبل الردى ، فأرسك إليه جبال الصبر وبحار الرضى والموافقة والغنى في قضائه وفعله ، ثم يدركه بجزيل العطاء ويدعو اللّه في آناء الليل وأطراف النهار في الجلوة والخلوة في الظاهرة مرة وفي الباطن أخرى بأنواع اللطف وفنون الجذبات فيتصل له ذلك إلى حين اللقاء ، واللّه الهادي . المقالة الثلاثون في النهي عن قول الرجل أي شيء أعمل وما الحيلة ؟ قال رضي اللّه عنه وأرضاه : وأكثر ما تقول إيش أعمل وما الحيلة ، فيقال لك قف مكانك ولا تجاوز حدك حتى يأتيك الفرج ممن أمرك بالقيام فيما أنت فيه . قال اللّه عزّ وجلّ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 200 ) [ آل عمران : الآية 200 ] أمرك بالصبر يا مؤمن ، ثم بالمصابرة والمرابطة والمحافظة والملازمة ثم حذرك تركه فقال : وَاتَّقُوا اللَّهَ [ البقرة : الآية 189 ] في ترك ذلك : أي لا تتركوا الصبر فإن الخير والسلامة فيه ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد » وقيل : كل شيء ثوابه بمقدار إلا ثواب الصبر فإنه جزاف بغير مقدار ، لقوله تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزّمر : الآية 10 ] فإذا اتقيت اللّه عزّ وجلّ حفظك للصبر ومحافظة الحدود وأنجز لك ما وعدك في كتابه وهو قوله عزّ وجلّ : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطلاق : الآيتان 2 ، 3 ] وكنت بصبرك حتى يأتيك الفرج من المتوكلين وقد وعدك اللّه عزّ وجلّ بالكفاية فقال : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطّلاق : الآية 3 ] وكنت مع صبرك وتوكلك من المحسنين ، وقد وعدك بالجزاء فقال عزّ وجلّ : وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [ الأنعام : الآية 84 ] ويحبك اللّه مع ذلك ، لأنه قال : إِنَّ