عبد القادر الجيلاني
96
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ البقرة : الآية 195 ] فالصبر رأس كل خير وسلامة دنيا وأخرى ، ومنه يترقى المؤمن إلى حالة الرضى والموافقة ، ثم الفناء في أفعال اللّه عزّ وجلّ حالة البدلية والغيبية ، فاحذر أن تتركه فيخذلك في الدنيا والآخرة ويفوتك خيرهما ، نعوذ باللّه من ذلك . المقالة الحادية والثلاثون في البغض في اللّه قال رضي اللّه عنه وأرضاه : إذا وجدت بقلبك بغض شخص أو حبه فاعرض أعماله على الكتاب والسنة ، فإن كانت فيهما مبغوضة فأبشر بموافقتك اللّه عزّ وجلّ ورسوله ، وإن كانت أعماله فيهما محبوبة وأنت تبغضه فاعلم بأنك صاحب هوى تبغضه بهواك ظالما له ببغضك إياه وعاص للّه عزّ وجلّ ولرسوله مخالف لهما ، فتب إلى اللّه عزّ وجلّ من بغضك واسأله عزّ وجلّ محبة ذلك الشخص وغيره من أحبائه وأوليائه وأصفيائه والصالحين من عباده ، لتكون موافقا له عزّ وجلّ ، وكذلك افعل بمن تحبه يعني أعرض أعماله على الكتاب والسنة ، فإن كانت محبوبة فيهما فأحببه ، وإن كانت مبغوضة فابغضه كيلا تحبه بهواك وقد أمرت بمخالفة هواك . قال عزّ وجلّ : وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ ص : الآية 26 ] . المقالة الثانية والثلاثون في عدم المشاركة في محبة الحق قال رضي اللّه عنه وأرضاه : ما أكثر ما تقول كل من أحبّه لا تدوم محبتي إياه فيحال بيننا إما بالغيبة أو بالموت أو بالعداوة وأنواع المال بالتلف والفوات من اليد ، فيقال لك : أما تعلم يا محبوب الحق المعني المنظور إليه المغار له وعليه . ألم تعلم أن اللّه عزّ وجلّ غيور ، خلقك له وتروم أن تكون لغيره ؟ أما سمعت قوله عزّ وجلّ : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : الآية 54 ] ، وقوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذّاريات : الآية 56 ] ، أما سمعت قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أحب اللّه عبدا ابتلاه ، فإن صبر اقتناه » . قيل : يا رسول اللّه وما اقتناه ؟ قال : « لم يذر له مالا ولا ولدا » ، وذلك لأنه إذا كان له مال وولد أحبهما فتنقص وتجزي ، فتصير مشتركة بين اللّه عزّ وجلّ وبين غيره ، واللّه تعالى لا يقبل الشريك ، وهو غيور قاهر ، فوق كل شيء ، فيهلك شريكه ويعدمه ليخلص قلب عبده له من غير