عبد القادر الجيلاني

68

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

إرادة ، فتزيد بتلك الإرادة ، فإذا صرت في تلك الإرادة المنشأة فيك كسرها الرب تعالى بوجودك فيها ، فتكون منكسر القلب أبدا ، فهو لا يزال يجد فيك إرادة ثم يزيلها عند وجودك فيها هكذا إلى أن يبلغ الكتاب أجله ، فيحصل اللقاء ، فهذا هو معنى « عند المنكسرة قلوبهم من أجلي » ومعنى قولنا عند وجودك فيها هو ركونك وطمأنينتك إليها . قال اللّه تعالى في حديثه القدسي ، الذي يرويه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش به ، ورجله التي يمشي بها » وفي لفظ آخر : « فبي يسمع ، وبي يبطش ، وبي يعقل » وهذا إنما يكون في حالة الفناء لا غير ، فإذا فنيت عنك وعن الخلق ، والخلق إنما هو خير وشر ، وكذلك أنت خير وشر . فلم ترج خيرهم ولا تخاف شرهم بقي اللّه وحده كما كان ، ففي قدر اللّه خير وشر ، فيؤمنك من شره ويغرقك في بحار خيره ، فيكون وعاء كل خير ، ومنبعا لكل نعمة وسرور وحبور وضياء وأمن وسكون ، فالفناء والمنى والمبتغى والمنتهى حد ومرد ينتهي إليه مسير الأولياء ، وهو الاستقامة التي طلبها من تقدم من الأولياء والأبدال أن يفنوا عن إرادتهم وتبدل بإرادة الحق عزّ وجلّ ، فيريدون بإرادة الحق أبدا إلى الوفاء ، فلهذا سموا أبدالا رضي اللّه عنهم ، فذنوب هؤلاء السادة أن يشركوا إرادة الحق بإرادتهم على وجه السهو والنسيان وغلبة الحال والدهشة ، فيدركهم اللّه تعالى برحمته بالتذكرة واليقظة ، فيرجعوا عن ذلك ويستغرفوا ربهم ، إذ لا معصوم عن الإرادة إلا الملائكة ، عصموا عن الإرادة ، والأنبياء عصموا عن الهوى ، وبقية الخلق من الإنس والجن المكلفين لم يعصموا منها غير أن الأولياء بعضهم يحفظون عن الهوى ، والأبدال عن الإرادة ، ولا يعصمون منهما على معنى يجوز في حقهم الميل إليهما في الأحيان ، ثم يتداركهم اللّه عزّ وجلّ باليقظة برحمته . المقالة السابعة في إذهاب غمّ القلب قال رضي اللّه تعالى عنه وأرضاه : اخرج من نفسك وتنح عنها ، وانعزل عن ملكك وسلّم الكل إلى اللّه ، فكن بوابه على باب قلبك ، وامتثل أمره في إدخال من يأمرك بإدخاله ، وانته بنهيه في صد من يأمرك بصده ، فلا تدخل الهوى قلبك بعد أن خرج منه ، فإخراج الهوى من القلب بمخالفته ، وترك متابعته في الأحوال كلها ،