عبد القادر الجيلاني

69

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

وإدخاله في القلب بمنابعته ومواقاته ، فلا ترد إرادة غير إرادته وغير ذلك منك تمن وهو وادي الحمقاء ، وفيه حتفك وهلاكك وسقوطك من عينه وحجابك عنه ، احفظ أبدا أمره ، وانته أبدا نهيه وسلم أبدا لمقدره ، ولا تشركه بشيء من خلقه ، فإرادتك وهواك وشهواتك كلها خلقه ، فلا ترد ولا تهو ولا تشته كيلا تكون مشركا . قال اللّه تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ الكهف : الآية 110 ] ليس الشرك عبادة الأصنام فحسب ، بل هو متابعتك هواك ، وأن تختار مع ربك شيئا سواه من الدنيا وما فيها والآخرة وما فيها ، فما سواه عزّ وجلّ غيره ، فإذا ركنت إلى غيره فقد أشركت به عزّ وجلّ غيره ، فاحذر ولا تركن ، وخف ولا تأمن وفتش ، فلا تغفل فتطمئن ، ولا تضف إلى نفسك حالا ولا مقاما ، ولا تدع شيئا من ذلك ، فإن أعطيت حالا أو أقمت في مقام فلا تختر شيئا واحدا من ذلك ، فإن اللّه كل يوم هو في شأن ، في تغيير وتبديل ، وأنه يحول بين المرء وقلبه ، فيزيلك عما أخبرت به ، ويغيرك عما تخيلت ثباته وبقاءه ، فتخجل عند من أخبرته بذلك بل احفظ ذلك فيك ولا تعده إلى غيرك فإنه كل الثبات والبقاء ، فتعلم أنه موهبة وتسأل التوفيق للشكر واستر رؤيته وإن كان غير ذلك كان فيه زيادة علم ومعرفة ونور وتيقظ وتأدب . قال اللّه عزّ وجلّ : * ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) [ البقرة : الآية 106 ] فلا تعجز اللّه في قدرته ، ولا تتهمه في تقديره ولا تدبيره ، ولا تشك في وعده ، فليكن لك في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أسوة حسنة ، نسخت الآيات والسور النازلة عليه المعمولة بها المقروءة في المحاريب المكتوبة في المصاحف ، ورفعت وبدلت وأثبت غيرها مكانها ، ونقل صلى اللّه عليه وسلم إلى غيرها ، هذا في ظاهر الشرع ، وأما في الباطن والعلم والحال فيما بينه وبين اللّه عزّ وجلّ فكان يقول : « إنّه ليغان على قلبي فأستغفر اللّه في كل يوم سبعين مرة » ويروى « مائة مرة » وكان صلى اللّه عليه وسلم ينقل من حالة إلى أخرى ويسير به في منازل القرب وميادين الغيب ، ويغير عليه خلع الأنوار ، فتبين الحالة الأولى عند ثانيها ظلمة ونقصانا وتقصيرا في حفظ الحدود ، فيلقن الاستغفار لأنه أحسن حال العبد ، والتوبة في سائر الأحوال لأن فيها اعترافه بذنبه وقصوره ، وهما صفتا العبد في سائر الأحوال ، فهما وراثة من أبي البشر آدم عليه السلام إلى المصطفى صلى اللّه عليه وسلم حين اعتورت صفاء حالة ظلمة النسيان للعهد والميثاق ، وإرادة الخلود في دار السلام ، ومجاورة الحبيب الرحمن المنان ، ودخول الملائكة الكرام عليه بالتحية والسلام ، فوجدت هناك نفسه مشاركة إرادته لإرادة الحق ، فانكسرت