عبد القادر الجيلاني

54

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

والخيل آت أيضا منها آلة الجهاد الأصغر والأكبر . فكلّ ذلك للآخرة ، وفي الحديث : « أنّ الغنم خلق من عسل الجنّة ، والبقر من زعفرانها ، والإبل من نورها ، والخيل من ريحها » « 1 » وأمّا البغل فهو من أدنى صفة المطمئنة من رآه في المنام فتعبيره أن يكون الرّائي كسلا في العبادة ، وثقلا في القيام والقعود ، ولا يكون لكسبه نتيجة في الحقيقة إلّا التّوبة : . . . وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى . . . [ الكهف : الآية 88 ] . والحمير من حجارتها لأجل مصلحة آدم عليه الصّلاة والسّلام وذرّيته لكسب الآخرة في الدّنيا . وأمّا ما يتعلّق منها بالرّوح فكالشّابّ الأمرد ، تتجلّى عليه الأنوار الإلهية ؛ لأنّ أهل الجنّة كلّهم على هذه الصّورة كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أهل الجنّة جرد مرد كحل . . . » « 2 » الحديث . وكما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « رأيت ربّي بصورة شابّ أمرد » « 3 » . قال بعضهم : المراد من هذه الصّورة تجلّي الحقّ بصفة الرّبوبيّة على مرآة الرّوح ، وهو الّذي يسمّونه طفل المعاني ؛ لأنّه مربّ الجسد ، ووسيلة بينه وبين الرّبّ . وقال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه : « لولا المربي لما عرفت ربّي » ، وهذا المربي مربي الباطن ، وهو إنّما يحصل بسبب تربية مربّ ظاهريّ بالتّلقين ، فالأنبياء والأولياء مربو القوالب ومربو القلوب ما يحصل من تربيتهم من لقاء الرّوح الآخر كما مرّ ، كما قال اللّه تعالى : . . . يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ . . . [ غافر : الآية 15 ] . وطلب المرشد لأجل هذا الرّوح الّذي يحيى به القلب ويعرف به ربّه فافهم . قال الإمام الغزاليّ رحمة اللّه عليه : يجوز أن يرى الرّبّ في المنام على صورة جميلة أخرويّة على هذا التّأويل المذكور . قال : لأنّ مثل المرئيّ مثال ما يخلقه اللّه تعالى على قدر استعداد الرّائي ومناسبته ، وليس الحقيقة الذّاتيّة ؛ لأنّ اللّه تعالى منزّه عن الصّورة ، أو يرى بذاته في الدّنيا كرؤية النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعلى هذا القياس يجوز أن يرى في صورة مختلفة على قدر مناسبة استعداد الرّائي ، ولا يرى الحقيقة المحمّديّة إلّا الوارث الكامل في عمله وعلمه وحاله وبصيرته ، ظاهرا وباطنا ، لا في حاله . وكذا في شرح المسلم : يجوز رؤية اللّه تعالى في الصّورة البشريّة النّورانيّة على التّأويل المذكور . والقياس على تجلّي كلّ صفة على هذا النّهج كما

--> ( 1 ) لم أقف عليه . ( 2 ) رواه الترمذي ( 2539 ) . ( 3 ) تقدّم تخريجه .