عبد القادر الجيلاني
55
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
تجلّى لموسى عليه الصّلاة والسّلام في صورة النّار من شجر العنّاب كما قال اللّه تعالى : . . . لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ . . . [ طه : الآية 10 ] ، ومن صفة الكلام كما قال اللّه تعالى : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 ) [ طه : الآية 17 ] وكانت تلك النّار نورا ، لكن سمّيت نارا على زعم موسى عليه الصّلاة والسّلام وطلبه ، وليس الإنسان أدنى مرتبة من الشّجرة ، فلا عجب أن يتجلّى بصفة من صفات اللّه تعالى في الحقيقة الإنسانيّة بعد التّصفية من الصّفات الحيوانيّة إلى الإنسانيّة كما تجلّى على بعض الأولياء كأبي يزيد البسطاميّ حيث قال : « سبحاني ما أعظم شأني » وكالجنيد البغداديّ حيث قال : « ليس في جبّتي سوى اللّه » ونحو ذلك ، وفي ذلك المقام لطائف عجيبة لأهل التّصوّف يطول شرحها . ثمّ في التّربية لا بدّ من المناسبة ، فالمبتدئ من أوّل أمره لا مناسبة بينه وبين اللّه وبين نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فاحتاج لا محالة إلى تربية الوليّ أوّلا ، لأنّ الوليّ مناسبة بينه وبين المبتدىء من جهة البشريّة كما للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حال حياته فإذا كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الحياة الدّنيا لما احتاج أحد إلى غيره ، فإذا انتقل إلى الآخرة انقطع من صفة التّعلّق ، ووصل إلى محض التجرّد ، وكذا الأولياء إذا انتقلوا إلى الآخرة لا يصل أحدا منهم الإرشاد إلى المقصود فافهم إن كنت من أهل الفهم . وإن لم تكن فاطلب الفهم بالرّياضة النّورانيّة الغالبة على النّفسانيّة الظّلمانيّة لأنّ الفهم يحصل بالنورانيّة لا بالظّلمانيّة ولأنّ النّور لا يجيء بموضع إلّا يكون مدنيا مشرقا ، فلم يبق للمبتدىء مناسبة له . وأمّا الوليّ الّذي يكون في الحياة فله مناسبة ، لأنّ له جهتين التّعلّقيّة الجسمانيّة ، والتّجرديّة الرّوحانيّة ، من جهة الوراثة الكاملة ، فيتوالى إليه مدد الولاية النّبويّة من النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويتعرف بها النّاس . فافهم فإنّ وراء ذلك سرّا عميقا يدركه أهله . قال اللّه تعالى : . . . وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ المنافقون : الآية 8 ] . وأمّا تربية الأرواح في الباطن ، فروح الجسمانيّ مربى في الجسم أوّلا ، ثمّ روح الرّوانيّ مربى في القلب ، ثمّ روح السّلطانيّ مربى في الفؤاد ، ثمّ روح القدسيّ مربى في السّرّ وهو الواسطة بينه وبين الحقّ ، ومترجم من الحقّ إلى الخلق ؛ لأنّه أهل اللّه ومحرمه . وأمّا الرّؤيا الّتي هي من الأخلاق الذّميمة من صفة الأمّارة واللّوامة والملهمة فهي من السّباعات كالنّمر والأسد والدّب والذّئب والكلب والخنزير ، ومثل الأرنب