عبد القادر الجيلاني
53
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
والبصيرة . كما قال اللّه تعالى : . . . أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي . . . [ يوسف : الآية 108 ] . فلا يتمثّل الشّيطان بهذه الأنوار اللّطيفة كلّها . قال صاحب المظهر : هذا ليس للاختصاص بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، بل لا يتمثّل بكلّ ما هو مظهر الرّحمة واللّطف والهداية كجميع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والأولياء والكعبة والشّمس والقمر والسّحاب الأبيض والمصحف وأمثال ذلك لأنّ الشّيطان مظهر القهر ، فلا يظهر إلّا في صورة الاسم المضلّ فمن كان مظهر للاسم الهادي كيف يظهر بصورته ، فالضّد لا يظهر بصورة الضّد لما بينهما من التّنافر والبعد ، وليميّز الحقّ والباطل كما قال اللّه تعالى : . . . كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ . . . [ الرّعد : الآية 17 ] . وأمّا تمثّله يكون في صورة الرّبوبيّة ، ودعوى الرّبوبيّة يجيء منه لأنّ صفة اللّه جلال وجمال ، والشّيطان يتمثّل بصفة الجلال لأنّه مظهر القهر فظهور تمثّل ربوبيّته ، ودعواه من اسم المضلّ فقط كما مرّ ، ولا يظهر في صورة اسم الجامع لما فيه من معنى الهداية ، وفيه كلام كثير يطول شرحه وقوله تعالى : . . . عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي . . . [ يوسف : الآية 108 ] إشارة إلى الوارث الكامل المرشد - أي : الإرشاد بعدي لمن له بصيرة باطنة مثل بصيرتي من وجه - والمراد منه الولاية الكاملة كما أشار إليه بقوله : . . . وَلِيًّا مُرْشِداً [ الكهف : الآية 17 ] . ثمّ اعلم أنّ الرّؤيا على نوعين : آفاقي ، وأنفسي . وكلّ واحد منهما على نوعين . فالأنفسي : إمّا من الأخلاق الحميدة أو الذّميمة . فالحميدة مثل رؤية الجنان ونعيمها ، ومثّل الحور والقصور والغلمان والصّحراء النّورانيّ الأبيض ، ومثل الشّمس والقمر والنّجوم وما أشبه ذلك متعلّق بالقلب . وأمّا ما يتعلّق بالنّفس المطمئنة مثل مأكول اللّحم من الحيوانات والطّيور ؛ لأنّ معيشة المطمئنة في الجنّة تكون بهذه الأنواع كشويّ الغنم والطّيور . وأمّا البقر فهو آت من الجنّة لآدم عليه الصّلاة والسّلام لأجل زراعته في الدّنيا . والإبل أيضا منها لأجل سفر كعبة الظّاهر والباطن .
--> الوسائل إلى فهم الشمائل ( ص 596 ) بتحقيقنا .