عبد القادر الجيلاني
492
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
ولقد لطخت الحشوية بهذا المذهب الفاسد بعض أئمة السنة ، فربما نسبوه لأحمد بن حنبل رضي اللّه عنه إذ هم مقلدون له في الفروع ، فأوهموا أنهم كما تبعوه في الفروع تبعوه في العقائد وحاشاه أن تكون عقائده مثل عقائدهم إذ إمامته في علم التوحيد على طريق أهل السنة مجمع عليها ، وخبر مناظرته لأهل البدع وامتحانه معهم في ذات اللّه مشهور مستفيض ، ثم قال : وما يوجد في بعض التآليف من تلطيخ بعض السلف به ففاسد لا يلتفت إليه ووهّم من نقل ذلك عنهم ما عرف منهم رضي اللّه عنهم من التوقف عن تأويل الظواهر المستحيلة نحو عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : الآية 5 ] وما أشبهه فتوهم أن توقفهم عن تأويلها لاعتقادهم ظواهرها وحاشاهم من ذلك ، وإنما وقفوا عن تعيين تأويل لها لتعدد التأويلات الصحيحة من غير علم بالمراد منها بعد قطعهم بأن الظواهر المستحيلة غير مرادة البتة ، وما أقبح أن يظن السوء بما لا يليق به . اه . باختصار . وقد أجاء في تحرير محل النزاع بين مذهبي الحنابلة والأشاعرة العلامة الكبير العارف الشهير سيدي إبراهيم بن حسن الكوراني الشهرزوري الشافعي نزيل المدينة المنورة ودفينها رضي اللّه عنه في رسالته إفاضة العلام - في مسألة الكلام - أبطل فيها ذم الشافعية للحنابلة في المعتقد ، وذم الحنابلة للشافعية في ذلك ونزة الطائفين عن الباطل ، وبيّن أن كليهما من صميم السنة بعد اطلاعه على تآليف محققي الحنابلة وإمعان النظر فيها شحنها بما يستعذبه القلب السليم وقد نقل منها ملخص هذا المبحث تلميذه العلامة الجامع أبو سالم العياش رحمه اللّه في رحله في ترجمة شيخه المذكور وأطال بورقات . قلت : وبالجملة فقد أرسى النظر السديد كما سمعت كلامهم على صحة المذهبين ، وإن مرجع أحدهما وهو المشار إليه في العينة إلى التفويض ومرجع الآخر إلى التأويل ، وكلاهما منزه للبارئ عما يليق بجلاله ودليل السلف في [ 46 / ق ] التفويض قوله تعالى في المتشابه : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [ آل عمران : الآية 7 ] بناء على أن هذا محل الوقف ، فيكون قوله تعالى : وَالرَّاسِخُونَ [ آل عمران : الآية 7 ] استئنافا ودليل الخلف في تعرضهم للتأويل أن قوله : وَالرَّاسِخُونَ معطوف على ما قبله والاستئناف عن قوله : يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [ آل عمران : الآية 7 ] فمذهب التفويض أسلم ، ومذهب التأويل أحكم وليتنبه أنه ليس المراد سلب التأويل عن السلف رأسا فإن مذهبهم التأويل الإجمالي ، ومذهب الخلف التأويل التفصيلي كما في مواقف