عبد القادر الجيلاني
49
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
اللّه عليه وآله وسلّم : « سلامة الإنسان من قبل اللّسان » « 1 » وكفّ عينيه عن الخيانة والنّظر إلى الحرام وكذا كفّ أذنيه ويديه ورجليه كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « العينان تزنيان . . . » « 2 » الحديث ، ويحصل من كلّ زنى من هذه الأعضاء شخص قبيح في صورة خبيثة يقوم معه يوم القيامة ، ويشهد عليه عند اللّه تعالى ، ويأخذ صاحبه فيعذّبه في النّار ، فإذا تاب منه وحبس نفسه - كما قال اللّه تعالى : . . . وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 ) [ النّازعات : الآيتان 40 ، 41 ] تبدّل صورته الخبيثة إلى صورة أمرد مليح ، ويأخذ صاحبه إلى الجنّة ، وينجو من شرّه ، فكأن الخلوة حصّنته من المعاصي ، فيبقى عمله صالحا ، ويكون محسنا كما قال اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [ التّوبة : الآية 120 ] ، وقال اللّه تعالى : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ الأعراف : الآية 56 ] ، وقال اللّه تعالى : . . . فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً . . . [ الكهف : الآية 110 ] . وأمّا الخلوة الباطنة : أن لا يدخل في قلبه من التفكّرات النّفسانيّة والشّيطانيّة مثل محبّة المأكولات والمشروبات ، ومثل محبّة الأهل والعيال ، ومثل محبّة الحيوانات والرّياء والسّمعة والشّهرة كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الشّهرة آفة وكلّ يتمنّاها ، والخمول راحة وكلّ يتوقّاها » « 3 » ولا يدخل في قلبه باختياره مثل الكبر والعجب والبخل وغير ذلك من الذّمائم ، فإذا دخل في قلب الخلوتي من هذه الذّمائم فسدت خلوته وقلبه ، وفسد ما في قلبه من الأعمال الصّالحة والإحسان ، فبقي القلب بلا منفعة كما قال اللّه تعالى : . . . إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [ يونس : الآية 81 ] ، فكلّ من كان فيه من هذه المفسدات فهو من المفسدين ، وإن كان في الظّاهر صورة الصّالحين كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخلّ العسل » « 4 » . وكذلك قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب » « 5 » . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه
--> ( 1 ) لم أقف عليه ، وانظر : الصمت لابن أبي الدنيا ( ص 10 ، 13 ) . ( 2 ) تقدّم تخريجه . ( 3 ) أورده السخاوي في المقاصد الحسنة ( 458 ) ، وكشف الخفاء للعجلوني ( 1 / 460 ) . ( 4 ) أورده الغزالي في إحياء علوم الدين ( 3 / 165 ) ، والعراقي في المغني ( 3 / 165 ) . ( 5 ) رواه أبو داود ( 4903 ) ، وابن ماجة ( 4210 ) ، وأوردناه في كتابنا « أحاديث مشهورة لكنها لا تصح » طبع بالمكتب الإسلامي العربي .