عبد القادر الجيلاني

467

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

والجيلي سيد السالكين ، وممد الواصلين ، وأستاذ الأساتذة المحققين ، ناديه موسم العلماء والعارفين ، ومورده مزدحم للصالحين والطالحين ، يقصده الموفقون لمزيد الهداية ، والظلمة تجذبهم إليه سلاسل العناية ، والكل بين يديه يطلب علاجه ، وهو مطلع على كلّ ويخبر مزاجه ، فيلقى للجميع علاج سقامه ، وراء أوامه ، إما بنفثات مقال ، أو بإمدادات حال ، وليس ما يصلح يزيد يصلح بعمرو ، بل ولا علاج الواحد اليوم ينفعه سائر الدهر ، فكانت الحكمة أن يعامل كل شخص بما يناسب ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب ، وكأن هذا المعترض الباحث على حتفه يظلفه ، بحسب موافقة الغافلين ، ومجابرة الظالمين ، هو الخلق الحسن المحمود في السنة كلا إنه أخطأ معناه ، وأطلق الاسم على غير مسماه ، فتلك المداهنة المذمومة ، التي هي بخاتم النفاق موسومة ، ولو طالع أحياء علوم الدين ، ومثله من أنفاس المهتدين لعرف سيرة السلف ، ونجا من مهاوي التلف ، ففي الجواب المكتوب من سفيان الثوري للرشيد أوضح دليل ، وكذا توبيخ الفضيل له وهو يكفكف دموعه مثل الصاغر الذليل ، ومحمد بن واسع لما قال له الأمير ابن أبي بردة : ادع لي ، قال : وما تصنع بدعائي وعلى بابك كذا وكذا كلّ يقول إنك ظلمتهم يرتفع دعاؤهم قبل دعائي . وتوبيخ عبد اللّه العمري للرشيد في مكة بما يبكيه حتى صار الرشيد يقول : إني لأحب أن أحج كل سنة ما يمنعني إلّا رجل من ولد عمر ثم يسمعني ما أكره . والإمام مالك حين حكم في حضرة الوالي وجماعة من العلماء يقتل رجل ، فخاطبه الوالي والعلماء في شأنه متوقفين في ذلك قال الإمام مالك : واللّه الذي لا إله إلا هو لا تكلمت في العلم أبدا أو تضرب عنقه وسكت فكلم فلم يتكلم فارتجت المدينة وصياح الناس ، وقالوا : إذا سكت مالك فمن يجيب ، فضرب الوالي عنق المحكوم عليه ، ثم بين لهم الإمام خطأهم فيما استندوا إليه في التوقف ، وهكذا حال سائر الأئمة مع الولاة ، وغيرهم من الفاتكين والقساة . وطاوس اليماني لما خاطب هشام بن عبد الملك ولم يقل يا أمير المؤمنين عاتبه . فقال : خفت أن أكذب لأنه لم يتفق على إمارتك المؤمنون كلهم . قال حجة الإسلام بعد ذكر حكاية طاوس ومن خالط الناس ولم يحترز هكذا فليرض بكتب اسمه في جريدة المنافقين . اه . أين معرفتك يا من يفسر الخلق الحسن بالمداهنة والنفاق ؟ ولو كان القول بأن لازم المذهب مذهب راجحا لحكمنا بكفره لقوله تعالى مخاطبا لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : وَإِنَّكَ لَعَلى