عبد القادر الجيلاني
440
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء ؟ » « 1 » . رواه البيهقي في الشعب وأطال في تفسيره وبيانه حجة الإسلام في الأحياء وما بقي من كلام الجيلي بيان للمعنى المشار إليه . وأما قوله رضي اللّه عنه أنت كدر بلا صفاء معناه بين ويدل له قوله في هذا الكتاب نفسه في المجلس الثاني عشر يا غلام لا بد من الحلاوة والمرارة والصلاح والفساد والكدر والصفاء ، فإن أردت الصفاء الكلي ففارق بقلبك الخلق وواصله بالحق عزّ وجلّ . اه . فهو توبيخ لمن آثر الإقبال على الخلق دون الحق تبارك وتعالى . وأما قوله رضي اللّه عنه خلق بلا خالق يشير إلى ذم عمل المرائين الذين يعملون لغير خالقهم غير ملتفتين إلى ما يقرب إليه عزّ وجلّ ، يودل له قوله رضي اللّه عنه في المجلس الثاني هذا زمان الرياء والنفاق ، وأخذ الأموال بغير حق ، قد كثر من يصلي ويصوم ويحج ويزكي ويفعل أفعال الخير للخلق لا للخالق ، فقد صار معظم هذا العالم خلقا في خلقه بلا خالق . اه . أي سائرين سيرة كأنهم لا خالق لهم ، وفي كلامه إعياء إلى قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [ الجاثية : الآية 23 ] وفي المعنى تمثل التفتازاني بقول القائل : لك ألف معبود مطاع أمره * دون الإله وتدّعي التوحيدا وفي الحديث المشهور « تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم » « 2 » وبهذا ظهر معنى قوله رضي اللّه عنه بعد ذلك دنيا بلا آخرة ، باطل بلا حقيقة وقد قال نفعنا اللّه به في المجلس العشرين يا دنيا بلا آخرة ، يا خلق بلا خالق ما تخاف سوى الفقر ما ترجو سوى الغنى ويحك الرزق مقسوم لا يزيد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر . وأما ذمّ هذا المعترض لكتاب العفيف الذي جمعه من مواعظ الشيخ ونفثاته العزيزة فكما قال البوصيري : « قد تنكر العين ضوء الشمس » . . . الخ .
--> ( 1 ) رواه أحمد في المسند ( 5 / 428 ، 429 ) ، والطبراني في المعجم الكبير ( 4 / 253 ) ، والبيهقي في شعب الإيمان ( 5 / 333 ) ، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب ( 1 / 34 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 3 / 1057 ) ، ( 5 / 2364 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1385 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 9 / 159 ) ، ( 10 / 245 ) .