عبد القادر الجيلاني

435

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

وقول المعترض : وإن يجرده من العقل بقوله : لا عقل لك بطلان اعتراضه ضروري فهو من باب ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) أي لا صلاة كاملة ، فهنا لا عقل لك كامل أي كمالا يوصل بجد صاحبه إلى مراتب المقربين . وقوله : وإن يعترف الشيخ بجنون نفسه ، أقول : لا جنون إلا فهمه السقيم ، وتهوره البارد الوخيم ، أعمى هذا المعترض عن صبح المجاز الذي هو أبلغ من الحقيقة أم خفشت عيناه عن أبصار شموس القرائن المشرقة من مطالع الحقيقة ، فالجنون يطلق على الوارع بالشيء وأفراغ الكلية في الاشتغال به ومن ذلك قولهم : « الجنون فنون » ، واشتغال الشيخ رضي اللّه عنه هنا بالوعظ والتربية ، لذلك قال : لا أراك : أي لا تكبر في عيني ، والواعظ إذا كبر الموعوظ في عينه ضعف تأثير الوعظ فيه ، ويصح أن يراد بالجنون هنا الغيبة المذكورة في دواوين القوم ، قال السيد الشريف في التعريفات الغيبة غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق ، بل من أحوال نفسه بما يرد عليه من الحق إذا عظم الوارد واستولى عليه سلطان الحقيقة ، فهو حاضر بالحق غائب عن نفسه وعن الخلق ، ومما يشهد لهذا قصة النسوة اللاتي قطعن أيديهن حين شاهدن يوسف ، فإذا كانت مشاهدة جمال يوسف مثل هذا فكيف يكون غيبة مشاهدة أنوار ذي الجلال . اه . ومما ينسب إلى القطب الشهير سيدي أحمد البدوي رضي اللّه عنه . مجانين إلا أن سر جنونهم * عزيز على أبوابه يسجد العقل وفي الرسالة القشيرية أن الجنيد كان قاعدا وعنده امرأته ، فدخل عليه الشبلي فأرادت امرأته أن تستتر ، فقال لها الجنيد : لا خبر للشبلي منك فاقعدي ، فلم يزل يكلمه الجنيد بالعلم ويتحدث معه في حاله حتى بكى الشبلي ، فقال الجنيد لامرأته : استتري فقد أفاق الشبلي من غيبته . اه . ويصحّ أن يراد بالجنون هنا غير ذلك مما هو لائق بذلك المقام الشريف واللّه أعلم . وقوله : وإن يدّعي فعل اللّه فيقول أطفىء الحريق عن بيتك وأصون حريمك الخ . أقول : لمثل ذلك فليتعجب المتعجبون يزعم الرجل أنه دارس تآليف الشعراني والحاتمي والسهروردي وأمثالهم ، ويجهل الضرورات من اصطلاحات القوم ومقاصد تعبيراتهم وفنون كراماتهم فأقواله تناقضت منطوقا ومفهوما ، وهذا المذهب الذي سلكه في هاته المسألة هو مذهب الوهابية من الخوارج حيث ضللوا السواد الأعظم من