عبد القادر الجيلاني

39

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

فيليق بالظّلمة لباس الظّلمة ، وقد صح في الحديث أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لبس الأسود وتعمم بعمامة سوداء ، وهذا لباس البلاء ولباس المتعزّين المصابين بنور القابلية من المشاهدة والمكاشفة والمعاينة ، وبموت الحياة الأبديّة مثل الشّوق والعشق والرّوح القدسيّ ، ومرتبة القربة والوصلة ، وهؤلاء من أعظم المصيبات ولا بدّ من لباس المتعزّين في مدّة عمره ؛ لأنّه فاتته منفعة الأخرويّة ، وكانت المرأة الّتي مات زوجها أمرها اللّه تعالى بلباس العزاء أربعة أشهر وعشرة أيام بفوت المنفعة الدّنيويّة . فمدة عزاء المنفعة الأخرويّة غير متناهية كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أشدّ النّاس بلاء النّبيّون ثمّ الأمثل فالأمثل » « 1 » . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « المخلصون على خطر عظيم » « 2 » . فهذا كلّه من صفة الفقر والفناء ، وفي الخبر : « الفقر سواد الوجه في الدّارين » « 3 » معناه أنّه لا يقبل الألوان غير نور وجه اللّه تعالى ، والسّواد بمنزلة خال على وجه جميل يزيد به حسن جماله وملاحته ، فإذا نظر أهل القربة إلى جماله فبعد ذلك لا يقبل نور أعينهم غير اللّه تعالى ، ولا ينظرون إلى ما سوى اللّه تعالى بالمحبّة بل يكون محبوبهم ومطلوبهم هو اللّه تعالى في الدّارين ، ولا يقصدون غير اللّه تعالى ؛ لأنّ اللّه تعالى خلق الإنسان لمعرفته ووصلته . فالواجب على الإنسان أن يطلب ما خلق لأجله في الدّارين كي لا يضيع عمره بما لا يعنيه ، ولا يندم أبدا بعد الموت لتضييع عمره . الفصل الثّالث عشر في بيان الطّهارة فالطّهارة على نوعين : طهارة الظّاهر ، وطهارة الباطن . فطهارة الظّاهر تحصل بماء الشّريعة . وطهارة الباطن تحصل بماء التّوبة والتّلقين والتّصفية وسلوك الطّريق ، فإذا انتقض وضوء الشّريعة - بخروج النّجس - يجب تجديد الوضوء كما قال رسول اللّه صلّى اللّه

--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 2398 ) ، وابن ماجة ( 4023 ) . ( 2 ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ( 5 / 345 ) ، والخطيب في اقتضاء العلم العمل ( 29 ) ، بنحوه ، وأورده العجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 415 ) . ( 3 ) روى الديلمي في الفردوس ( 4422 ) نحوه ، وأورده العجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 131 ) .