عبد القادر الجيلاني
40
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
عليه وآله وسلّم : « من جدّد الوضوء جدّد اللّه إيمانه » « 1 » فإذا انتقض وضوء الباطن بالأفعال الذّميمة والأخلاق الرّديّة - كالكبر والحقد والحسد والعجب والغيبة والكذب والخيانة ؛ يعني : مثل خيانة العين واليدين والرجلين والأذنين كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « العينان تزنيان والأذنان تزنيان » « 2 » - فتجديده وضوء الباطن بإخلاص التّوبة عن هذه المفسدات ، وتجديد الإنابة بالنّدم والاستغفار والاشتغال بقمعها من الباطن . وينبغي للعارف أن يحفظ توبته من هذه الآفات فتكون صلاته تامّة كما قال اللّه تعالى : هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ( 32 ) [ ق : الآية 32 ] . فوضوء الظّاهر وصلاته مؤقتة ، ووضوء الباطن وصلاته مؤبدة في جميع عمره ، في كلّ يوم وليلة متصلة . الفصل الرّابع عشر في بيان صلاة الشريعة والطّريقة أمّا صلاة الشّريعة : فقد علمت بهذه الآية : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ . . . [ البقرة : الآية 238 ] والمراد منها أركان الجوارح الظّاهرة بحركة الجسمانيّة مثل القيام والقراءة والرّكوع والسّجود والقعود والصّوت والألفاظ ؛ ولذلك جاء الفضل الجمع - يعني قال اللّه تعالى : حافِظُوا . . . - . وأمّا صلاة الطّريقة : فهي صلاة القلب ، وهي مؤبّدة فقد علمت بهذه الآية : وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [ البقرة : الآية 238 ] ، والمراد من الصّلاة الوسطى صلاة القلب ؛ لأنّ القلب خلق في وسط الجسد بين اليمين والشّمال ، وبين العلويّ والسّفليّ ، وبين السّعادة والشّقاوة كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « القلب بين إصبعين من أصابع الرّحمن يقلّبها كيف يشاء » « 3 » والمراد من الأصبعين صفتي القهر واللّطف ، لأنّ اللّه تعالى منزّه عن الأصابع فبدليل هذه الآية والحديث يعلم أنّ الأصل صلاة القلب ، فإذا غفل عن صلاته فسدت صلاته وصلاة الجوارح كما قال
--> ( 1 ) انظر : إحياء علوم الدين ( 1 / 135 ) . ( 2 ) رواه أحمد في المسند ( 1 / 412 ) ، ومسلم بنحوه ( 2657 ) ، وابن حبان ( 10 / 267 ) ، والشاشي في مسنده ( 1 / 381 ، 382 ) . ( 3 ) رواه مسلم ( 4 / 2045 ) ، والحاكم ( 1 / 706 ) ، ( 2 / 317 ) ، ( 4 / 230 ، 357 ) .