عبد القادر الجيلاني

385

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

المريدين ، وله كلام عال على لسان أهل الحقائق منه : المريد هو الرامي بأول قصده إلى اللّه تعالى ولا يعرج على غيره والحق هو المقصود بالإشارات ولا يشهد بغيره ولا يدرك سواء حجبهم بالأسماء فعاشوا ولو أبرز لهم علوم القدر لطاشوا ولو كشف لهم عن الحقيقة لماتوا وكان ينشد : تسرمد وقتي فيك فهو مسرمد * وأفنيتني عني فعدت مجردا وكلي بكل الكل وصل محقق * حقائق قرب في دوام تخلدا تفرد أمري فانفردت بغربتي * فصرت غريبا في البرية أوحدا وكان يتمثل أيضا بهذه الأبيات : بقائي فنائي في بقائي مع الهوى * فيا ويح قلب في فناء بقاؤه وجودي فنائي في فنائي فإنني * مع الإنس يأتيني هنيئا بلاؤه فيا من دعا المحبوب سرّا لسره * أتاك المنى يوما أتاك فناؤه قال الشيخ الصالح أبو القاسم نصر اللّه الأسناني : أجلس الشيخ رضي اللّه عنه رجلا في خلوة وكان يتقصد أصحاب الخلوات من أصحابه كل يوم وليلة فدخل عليه في ليلة من ليالي العشر الأخير من رمضان فوجده يبكي فسأله عن حاله فقال له : يا سيدي ها أنا أشهد ليلة القدر وأشهد كل شيء على وجه الأرض ساجدا وكلما هممت بالسجود أجد في باطني شيئا على هيئة العمود الحديد يمنعني من السجود فقال له الشيخ : يا بني لا تجزع العمود الذي تجده هو السر مني المودع فيك لا يمكنك إلا من فعل فيه قربة وجميع ما تشهده الآن من سجود الأشياء هو وارد الشيطان يريد أن تسجد لما خيل لك فيجد بذلك عليك سبيل الهدى فوقع في نفس الرجل وخطر له من أين لي صحة ذلك فلم يتم ذلك حتى قال له الشيخ : أنت تطلب على ذلك دليلا ثم مد يده اليمنى فرآها انتهت إلى أقصى المشرق ثم مد يده اليسرى فرآها انتهت إلى أقصى المغرب ثم قبضهما إليه قبضا يسيرا فقال الرجل : كنت أرى ذلك النور والأشياء الساجدة التي شاهدتها ينضم بعضها إلى بعض حتى لم يبق بين راحتيه إلا مقدار ذراع وتكون ذلك النور حتى صار على هيئة الإنسان وهو يصيح ويقول : يا سيدي الغوث الغوث لا أرجع أعود فلما قارب الشيخ رأيت بارقة من نور خرجت من فم الشيخ أضاء لها كل شيء وانقلبت تلك الصورة سوداء شديد النتن وصاحت صيحة عظيمة ثم صارت دخانا وتصاعدت إلى الجو هباء منثورا ، فقال الشيخ يا بني هذا التخايل قد صار كما ترى ، وقال الفاضل أبو عبد اللّه محمد بن سنان القرشي كنت أخدم الشيخ