عبد القادر الجيلاني

386

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

بقنا وأغيب عن أهلي تسعة أشهر فاشتقت إلى أهلي فبينما أنا في خطرة الشوق نزل الشيخ من داره وقال لي : يا محمد اشتقت إلى أهلك فقلت : نعم ، فأخذ بيدي وأدخلني بيتا وقال لي : زيق ففعلت ، ثم قال لي : ارفع رأسك فرفعت رأسي وإذا أنا على باب بيتي بمصر فدخلت وتلقاني أهلي وسلموا علي فكتمتهم أمري وبقيت عندهم مقامة يومي وأكلت عندهم مرتين وأعطيت لأبي عشرين درهما كانت معي فلما أذن المغرب خرجت من باب الدار فإذا أنا على باب الرباط بقنا والشيخ قائم فقال لي : يا محمد قد أبللت شوقك من أهلك فقلت : نعم ، ثم أقمت عنده شهرا واستأذنته في السفر إلى مصر فأذن لي فوصلت في خمسة وعشرين يوما فلما رآني أهلي فرحوا بي وقالوا : كنا أيسنا منك فقلت لهم : ولم ذلك ، فقالت لي أمي قصتي من أولها إلى آخرها فلم أظهرها على أمري ولم أتكلم بشيء من ذلك حتى مات رضي اللّه عنه وكان رضي اللّه عنه يوما على ساحل البحر ومعه إبريق يتوضأ منه فسمع صياحا بقربه فترك الوضوء وأسرع إلى المكان الذي سمع منه الصياح وسأل عن ذلك فقيل له قد أخذ التمساح فرآه وقد قبض على الرجل وتوسط به لجة البحر فصاح به فوقف مكانه لا يتحرك ثم عبر على منن الماء وهو يقول : بسم اللّه الرحمن الرحيم فكان يمشي على وجه الماء حتى انتهى إلى التمساح وقال له : ويلك ألق الرجل فألقاه من فمه فوضع الشيخ يده على التمساح وقال له : مت بإذن اللّه تعالى فمات وقال للرجل : قم إلى البر فقال لا أستطيع من فخذي ولا أحسن العوم فقال : اذهب هذه سبيل النجاة . وأشار إلى طريق البر فإذا البحر من الموضع الذي فيه الشيخ والرجل صلب كالحجارة إلى البر فمشى الشيخ والرجل إلى البر والناس ينظرون إليهما ثم إن البحر عاد إلى حاله وجروا التمساح ميتا ، وقال الشيخ مجد الدين القشيري بقوص كانت الأسد والحيات تأوي إليه رضي اللّه عنه وقال : رأيته غير مرة يغسل قدميه من لعاب الأسد إذا وضعت رؤوسها على قدميه وقال : رأيته مرة جالسا وحده فينزل عليه رجال من الهواء مثنى وثلاث ورباع حتى يكون عنده منهم خلق كثير وكانت الأولياء والغيبيون والمشايخ رضي اللّه عنهم والجن يمتثلون أوامره حتى لو قال للأسد لا تبرح من هذا فلا يبرح من مكانه من غير أن يؤذي أحد حتى يقول له الشيخ : اذهب قال وكانت القطبية تذكر عنه وصحبته مدة وخدمته في السر والجهر وما رأيته ترك أدبا ولا تكلم بما ينافي الشريعة ولا بما ينكر عليه . وقال الشيخ أبو الحجاج الأقصري رضي اللّه عنه كان الشيخ جالسا فقال له بعض مريديه : ما علامة المشاهدة لأنوار جلال اللّه تعالى كيف يكون نظره في الوجود قال ينظر السر القائم في الوجود الذي به استقام وجود