عبد القادر الجيلاني

373

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

ومن إنشاده أيضا عفى عنه أسامي بنفسي ذلة واستكانة * إلى الحالة العلياء من جانب الكبر إذا ما أتاني الكبر من جانب الغنى * سموت إلى العلياء من جانب الفقر قال الشيخ أبو الحسن علي القرشي سمعت شيخنا أبا سعيد القيلوي يقول : حللت مقاما من مقامات التوحيد فلم يقرّ بي القرار فيه حتى نازلتني فيه منازلة من منازلات أحكامه فلم أقدر على قطعها ولم أدر ما هنالك فاستغثت بنفس الشيخ خليفة ثم اتخذت همتي وهمته وامتزجت نفسي ونفسه حتى قطعت تلك المنازلات وقطعت تلك المقامات وانشكفت لي جميع أحكامه فالشيخ خليفة أعلى أصحابي همة وأخوفهم نفسا وأحدهم نظرا رضي اللّه عنه . قال فسألت الشيخ خليفة عن ذلك فقال : يا أخي لما أسند همتي إلى همته وجذب سري سره انخرق لي في أحوالي باب لا أملك سعته وكلما أشكل على أمر من عالم الغيب أو توقف على سر في درجات العلا لجأت إلى ذلك الأستاذ ورجعت إلى تلك الجذبة فيتسع لي كل ضيق وينفتح لي كل باب رضي اللّه عنه . وقال ابن قوتا حكي لي بعض أصحابنا الصلحاء رضي اللّه عنه من أهل بغداد قال : أنبهت ليلة في السحر وبايعت اللّه تعالى أن أجلس في جامع الرضافة متوكلا من حيث لم يشعر بي أحد من الخلق قال : فأتيت في وقتي ذلك الجامع وجلست فيه ثلاثة أيام فما رأيت فيها أحدا ولا أكلت فيها طعاما . واشتد بي الجوع وخفت من السقوط وكرهت الخروج من تلقاء نفسي واشتهيت شويّا سخنا وخبرا برّا وتمرا برنيّا فبينما أنا في ذلك وإذا حائط المحراب قد انشق وخرج منه رجل هيئته كهيئة أهل السواد وبيده مئزر فوضعه بين يدي وقال لي يقول لك الشيخ خليفة كل شهوتك وأخرج من هنا فما أنت من أرباب مقامات التوكل ثم غاب عني ففتحت المئزر فوجدت فيه ما اشتهيت فأكلت وخرجت وأتيت الشيخ خليفة بنهر الملك فلما رآني قال لي : ابتدأ يا هذا لا ينبغي للرجل أن يجلس متوكلا حتى يحكم أساسه في قطع الخلائق باطنا وظاهرا وأن لا يكون عاصيا في ترك الأسباب رضي اللّه عنه . أصله رضي اللّه عنه من قرية يقال لها قرية الأعراب من قرى نهر الملك . واستوطن رضي اللّه عنه نهر الملك إلى أن مات به قديما وقد علت سنه وقبره ظاهر يزار . ولما حضرته الوفاة تشهد وتهلل وجهه بالسرور والبشر وقال : هذا محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه رضي اللّه عنهم يبشروني برضوان من اللّه تعالى وصلاته ثم