عبد القادر الجيلاني
36
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
فلما كان الإنسان جامعا للخواصّ بجميع الكائنات علوّا وسفلا لم يخل الأنبياء والأولياء من الزّلة ، فإنّ الأنبياء معصومون من الكبائر بعد النّبوّة والرّسالة دون الصّغائر ، والأولياء ليسوا معصومين ، وقد قيل : الأولياء محفوظون بعد كمال الولاية من الكبائر . قال الشّقيق البلخيّ رحمة اللّه عليه : علامة السّعادة خمسة : لين القلب ، وكثرة البكاء ، والزّهد في الدّنيا ، وقصر الأمل ، وكثرة الحياء . وعلامة الشّقاوة خمسة : قسوة القلب ، وجمود العين ، والرّغبة في الدّنيا ، وطول الأمل ، وقلّة الحياء . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « علامة السّعيد أربعة : إذا اؤتمن عدل ، وإذا عاهد وفّى ، وإذا تكلّم صدق ، وإذا خاصم لم يشتم . وعلامة الشّقيّ أربعة : إذا اؤتمن خان ، وإذا عاهد أخلف ، وإذا تكلّم كذب ، وإذا خاصم يشتم النّاس ولا يعفو عنهم » « 1 » . كما قال اللّه تعالى : . . . فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ . . . [ الشورى : الآية 40 ] . واعلم أنّ تبدّل الشّقاوة إلى السّعادة أو عكسه يكون بالتّربية كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « كلّ مولود يولد على فطرة الإسلام ولكن أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه » « 2 » . وهذا الحديث يدلّ على أنّ في كلّ واحد قابليّة السّعادة والشّقاوة ، فلا يجوز أن يقال : هذا الرّجل سعيد محض ، أو شقيّ محض ، بل يجوز أن يقال : سعيد إذا غلبت حسناته على سيئاته ، وكذا عكسه . ومن غيّر هذه فقد ضلّ ؛ لأنّه اعتقد أنّ من النّاس من يدخل الجنّة بلا عمل وتوبة ، أو يدخل النّار بلا معصية ، فهذا القول خلاف النصوص لأنّ اللّه تعالى وعد الجنّة لأهل الصّلاح والنّار لأهل المعاصي والشّرك والكفر كما قال اللّه تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [ فصّلت : الآية 46 ] ، وقال اللّه تعالى : الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ . . . [ غافر : الآية 17 ] ، وقال اللّه تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ( 39 ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 ) [ النّجم : الآيتان 39 ، 40 ] ، وقال اللّه تعالى : . . . وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ [ البقرة : الآية 110 ] .
--> ( 1 ) لم أقف عليه . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 456 ) ، ومسلم ( 4 / 2047 ) .