عبد القادر الجيلاني
37
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
الفصل الثّاني عشر في بيان الفقراء قال بعضهم : إنّما سمّوا صوفيّا لأنّهم كانوا يلبسون الصّوف . وقال بعضهم : لأنّهم صفّوا قلوبهم عمّا سوى اللّه تعالى . وقال بعضهم : لأنّهم قائمون يوم القيامة في الصّفّ الأوّل ، وهو عالم القربة ؛ لأنّ العالم أربعة : عالم الملك والملكوت والجبروت واللّاهوت ، وهي عالم الحقيقة . وكذا العلم أربعة : فعلم الشّريعة ، وعلم الطّريقة ، وعلم المعرفة ، وعلم الحقيقة . وكذا الأرواح أربعة : روح جسمانيّ ، وروح روانيّ سيرانيّ ، وروح سلطانيّ ، وروح قدسيّ . وكذا التّجليّات أربعة : تجلّي الآثار ، وتجلّي الأفعال ، وتجلّي الصّفات ، وتجلّي الذّات . وكذا العقل أربعة : عقل المعاشيّ ، وعقل المعاديّ ، وعقل الزّمانيّ ، وعقل الكلّ . والنّاس مقيّدون لما في مقابلة العلم الأربعة المذكورة - يعني : العلوم الأربعة والأرواح والتّجلّيات والعقول - . فبعض النّاس مقيّدون بالأول بالعلم الأوّل ، وبالرّوح الأوّل ، وبالعقل الأوّل في الجنّة الأولى ، وهي جنّة المأوى . وبعضهم مقيّدون بالثّواني في الجنّة الثّانية وهي جنّة النّعيم . وبعضهم مقيّدون بالثّوالث في الجنّة الثّالثة وهي جنّة الفردوس . وقد غفلوا عن حقيقة هذا الأمر . وأهل الحقّ من الفقراء العارفين نفذوا من هذه الأمور كلّها إلى القربة ، لم يتقيدوا بشيء ممّا سوى اللّه تعالى واتّبعوا قول اللّه تعالى : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ . . . [ الذّاريات : الآية 50 ] ، كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « وهما حرامان على أهل اللّه » « 1 » ، وقال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « محبّتي محبّة
--> ( 1 ) تقدم تخريجه .