عبد القادر الجيلاني
15
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
فالوليّ هو الفاني في حاله ، والباقي في مشاهدة الحقّ ، ولم يكن له عن نفسه اختيار ، ولا له مع أحد غير اللّه قرار . والوليّ من أيّده بالكرامات ، وغيّبت عنه لأنّه لا يرى الإفشاء ؛ فإنّ إفشاء سرّ الرّبوبيّة كفر كما ذكر صاحب المرصاد رحمه اللّه تعالى : أصحاب الكرامات كلّهم محجوبون ، والكرامة حيض الرّجال ، فالوليّ له ألف مقام ، أوله باب الكرامة من جاوز منها نال الباقي . الفصل الثاني في بيان ردّ الإنسان إلى أسفل السّافلين لمّا خلق اللّه تعالى الرّوح القدسيّ في أحسن تقويم في عالم اللّاهوت ثم أراد أن يردّه إلى الأسفل لزيادة الأنسيّة والقربيّة كما قال تعالى : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ( 55 ) [ القمر : الآية 55 ] ردّه أوّلا إلى عالم الجبروت ، ومعه بذر التّوحيد فزرع من نورانيّته في ذلك العالم ، وألبس - الرّوح القدسيّ - الكسوة من ذلك العالم ، وكذا إلى عالم الملكوت ، ثم إلى عالم الملك ، فخلق له منه كسوة عنصريّة كيلا يحترق به عالم الملك - يعني هذا الجسد الكثيف - فيسمّى باعتبار الكسوة الجبروتيّة روحا سلطانيّا ، وباعتبار الملكوتيّة روحا سيرانيّا روانيّا ، وباعتبار الملكيّة روحا جسمانيّا . والمقصود من مجيئه إلى الأسفل كسب زيادة قربة ودرجة بواسطة القلب والقالب ، فيزرع بذر التّوحيد في أرض القلب ، فتنبت في أرض القلب شجرة التّوحيد أصلها ثابت في هواء السّرّ ، وتثمر منه ثمرة التّوحيد لرضاء اللّه تعالى . وزرع بذر الشّريعة في أرض القالب لتنبت فيها شجرة الشّريعة ، وتثمر منه ثمرة الدّرجة . فأمر اللّه تعالى الأرواح كلّها بدخول الجسد ، فقسم لكلّ واحد منها موضعا منه . فموضع الرّوح الجسمانيّ في الجسد ما بين اللّحم والدّم . وموضع الرّوح الرّوانيّ القلب . وموضع الرّوح السلطانيّ الفؤاد . وموضع الرّوح القدسيّ السّرّ . فلكلّ واحد منها حانوت في بلد الوجود ، وله أمتعة وربح وتجارة لن تبور . فينبغي لكلّ إنسان أن يعرف معاملته في وجوده ؛ لأنّ ما يحصّل هنا يعلّق في عنقه كما قال اللّه تعالى : * أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ ( 9 ) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ ( 10 )