عبد القادر الجيلاني
104
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
هي التوكل قال اللّه تعالى : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ المائدة : الآية 23 ] ، وقال تعالى : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطّلاق : الآية 3 ] ، وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [ آل عمران : الآية 159 ] ، فقد أمرك بالتوكل ونبهك عليه كما أمر نبيه صلى اللّه عليه وسلم في قوله : وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ النّساء : الآية 81 ] فاتبع أوامر اللّه عزّ وجلّ في سؤاله في أعمالك فهي مردودة عليك ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » « 1 » ، هذا يعلم طلب الرزق والأعمال والأقوال ، ليس لنا نبي غيره فنتبعه ولا كتاب غير القرآن فنعمل به ، فيضلك هواك والشيطان . قال اللّه تعالى : وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ ص : الآية 26 ] فالسلامة مع الكتاب والسنة ، والهلاك مع غيرهما ، وبهما يترقى العبد إلى حالة الولاية والبدلية والغوثية ، واللّه أعلم . المقالة السابعة والثلاثون في ذم الحسد والأمر بتركه قال رضي اللّه عنه وأرضاه : ما لي أراك يا مؤمن حاسدا لجارك في مطعمه ومشربه وملبسه ومنكحه ومسكنه وتقلبه في غناه ونعم مولاه عزّ وجلّ وقسمه الذي قسم له ؟ أما تعلم أن هذا مما يضعف إيمانك ويسقطك من عين مولاك عزّ وجلّ ويبغضك إليه ؟ أما سمعت الحديث المروي على النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « قال اللّه تعالى في بعض ما تكلم به : الحسود عدو نعمتي » « 2 » . وما سمعت قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب » « 3 » ثم على أي شيء تحسده يا مسكين ؟ أعلى قسمه أم على قسمك ؟ فإن حسدته على قسمه الذي قسمه اللّه في قوله تعالى : نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ الزّخرف : الآية 32 ] فقد ظلمته ، رجل يتقلب في نعمة مولاه التي تفضل بها عليه وقدرها له ولم يجعل لأحد فيها حظّا ولا نصيبا ، فمن يكون أظلم وأبخل وأرعن وأنقص عقلا منك ؟ وإن حسدته على قسمك فقد جهلت غاية الجهل ، فإن قسمك لا يعطي غيرك ولا ينتقل منك إليه ، حاش للّه . قال اللّه عزّ وجلّ : ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ( 29 ) [ ق : الآية 29 ] إن اللّه
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 2 / 753 ، 959 ) ، ومسلم ( 3 / 1343 ) . ( 2 ) لم أقف عليه . ( 3 ) رواه أبو داود ( 4 / 276 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1408 ) . وابن أبي شيبة في المصنف ( 5 / 330 ) ، وأبو يعلى في مسنده ( 6 / 330 ) ، وعبد بن حميد ( 1 / 418 ) .