عبد القادر الجيلاني
105
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
عزّ وجلّ لا يظلمك فيأخذ ما قسم وقدر لك فيعطي غيرك ، فهذا جهل منك وظلم لأخيك ، ثم حسدك للأرض التي هي معدن الكنوز والذخائر من أنواع الذهب والفضة والجواهر مما جمعته الملوك المتقدمة من عاد وثمود وكسر وقيصر أولى من حسدك لجارك المؤمن أو الفاجر ، فإن ما في بيته لا يكون جزءا من أجزاء ألف ألف جزء مما هناك ، فما حسدك لجارك إلا كمثل رجل رأى ملكا مع سلطانه وجنوده وحشمه وملكه وعلى أراضي واجباته خراجها وارتفاعها لديه وتنعمه بأنواع النعم واللذات والشهوات فلم يحسده على ذلك ثم رأى كلبا بريا يخدم كلبا من كلاب ذلك الملك يقوم ويقعد ويصيح فيعطي من مطبخ الملك بقايا الطعام ورداءته فيتقوت به فأخذ يحسده ويعاديه ويتمنى موته وهلاكه وكونه مكانه وأن يخلفه في ذلك خسة ودناءة لا زهدا ودينا وقناعة ، فهل يكون في الزمان رجل أحمق منه وأرعن وأجهل ؟ . ثم لو علمت يا مسكين ما سيلقى جارك غدا من طول الحساب يوم القيامة إن لم يكن أطاع اللّه فيما خوّله وأدّى حقه فيها ، وامتثال أمره وانتهاء نهيه فيها ، واستعان بها على عبادته وطاعته ما يتمنى أنه لم يعط من ذلك ذرة ولا رأى نعيما يوما قط ، أما سمعت ما قد ورد في الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ليتمنينّ أقوام يوم القيامة أن تقرض لحومهم بالمقاريض مما يرون لأصحاب البلاء من الثواب » . فيتمنى جارك غدا مكانك في الدنيا لما يرى من طول حسابه ومناقشته وقيامه خمسين ألف سنة في حر الشمس في القيامة ، لأجل ما يمتنع به من النعيم في الدنيا وأنت في معزل عن ذلك في ظل العرش آكلا شاربا متنعما فرحا مسرورا مستريحا ، لصبرك على شدائد الدنيا وضيقها وآفاتها وبؤسها وفقرها ، ورضاك وموافقتك لربك عزّ وجلّ فيما دبر وقضى من فقرك وغناء غيرك ، وسقمك وعافية غيرك ، وشدتك ورخاء غيرك ، وذلك وعز غيرك ، جعلنا اللّه وإياك ممن صبر عند البلاء ، وشكر على النعماء ، وفوّض الأمور إلى ربّ السماء . المقالة الثامنة والثلاثون في الصدق والنصيحة قال رضي اللّه عنه وأرضاه : من عامل مولاه بالصدق والنصاح ؛ استوحش مما سواه في المساء والصباح .