عبد القادر الجيلاني

181

السفينة القادرية

الغيب ما لا يحصى ، والشيطان لا يتسلط في الغالب إلا في مثل ذلك ، فالإقتران بخصوص القرآن لا ينفي الأمر بالاستعاذة في غيره ، كيف وهي سنة الأنبياء والمرسلين كما اقتضته آيات وأخبار واختلف في حكم الأمر بها ، فمنهم من حمله على الوجوب ، ومنهم من حمله على الندب ، ومنهم من قال : الاستعاذة واجبة في حق الرسول عليه الصلاة والسلام ومستحبة في حق غيره ، وقال عطاء : بالوجوب مطلقا كانت القراءة في صلاة أم لا ، ومذهب الإمام مالك رضي اللّه عنه وأصحابه أنه لا يتعوذ في المكتوبة كما لا يبسمل فيها وإن شاء المصلي فعل في قيام رمضان ، وعلى التعوذ مطلقا الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي رضي اللّه عنهما ، ثم اختلف العلماء في لفظها فقيل : المطلوب أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ، وقيل أعوذ من الشيطان وهمزه ، وقيل أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم ، وعليه القاضي إسماعيل « 1 » ، وعلى القول الأول الجمهور وهو المختار ، واعتمده صاحب الحزب رحمه اللّه ، إذا تقرر هذا فاعلم أن الاستعاذة مشتقة من العوذ ، والعوذ له معنيان أحدهما الالتجاء والاحتراز . وثانيهما الالتصاق ، يقال : أطيب اللحم عوذه وهو ما التصق بالعظم فعلى الأول معنى أعوذ أحترز باللّه وألتجي إليه ، وعلى الثاني معناه ألصق نفسي بفضل اللّه ورحمته اتقاء من الشيطان . وقوله ( باللّه ) جار ومجرور متعلق بأعوذ والباء فيه للاستعانة ، وهذا هو الركن الثاني من أركان الاستعاذة الثلاثة لأنها تستلزم مستعيذا وهو المتكلم الناطق بالاستعاذة ومستعاذا به ومستعاذا منه ، ولفظ الجلالة علم على ذات واجب الوجود ، وأول من نطق به كما في الإبريز أبونا آدم عليه السلام قال رضي اللّه عنه :

--> ( 1 ) القاضي إسماعيل : الإمام شيخ الإسلام أبو إسحاق ابن محدث البصرة حماد الأزدي مولاهم البصري الحافظ صاحب التصانيف وشيخ مالكية العراق وعالمهم ، ولد سنة تسع وسبعين ومائة . شرح مذهب مالك واحتج له وصنف المسند وصنف في علوم القرآن وصنف موطأ . . مات فجاءة سنة اثنتين وثمانين ومائتين .