عين القضاة

مقدمة 3

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

مقدمة في بيان الباعث الأصلي على املاء هذه اللمعة إنّ الذي دعاني إلى ذلك غرضان مهمّان : الغرض الأول : ( تلبية حاجة الاخوان الملحة ) إنّ جماعة من إخواني ، وفقني اللّه للقيام بحقوق صحبتهم وصداقتهم ونهض بي لأداء ما يجب علىّ في رفاقتهم ، كانوا يقترحون علىّ إملاء فصول أذكر فيها ما ينتهى إليه نظر العقول في العلم بذات اللّه - عزّ وجلّ - وصفاته والايمان بحقيقة النبوّة وباليوم الاخر . وأن أنظم هذه المعاني في سلك ألفاظ يروق الفصيح ايجازها ، ويروع الناظر المستقلّ بالنظر إعجازها . وكانت عوائق الزمان وصروف الحدثان تشغلنى عن القيام بما حامت رغباتهم عليه وتوجّهت هممهم إليه . ثمّ لمّا رأيتهم يحتاجون غاية الاحتياج إلى ذلك خصوصا في الايمان بحقيقة النبوّة وحقيقة الصفات الموصوف بها فاطر السماوات والأرض ، رأيت صرف العناية إلى بيان ذلك أهمّ الأمور . ولقد ذكرت في النبوّة وما يتعلّق بها من المقدّمات العلمية في رسالتي الموسومة « بغاية البحث عن معنى البعث » ما يشفى غليل الطالب المستفيدو يكفى الناظر المستبدّ بنظره السديد . ولكن لما كان الايمان بحقيقة النبوّة إذ ذاك مستندا إلى علم اليقين ومتلقّى من طرق البراهين ؛ وحاصل ما يدركه العقل من حقيقة النبوّة يرجع إلى إثبات وجود شئ للنبي بطريق جملي . من غير إدراك شئ من حقيقة ذلك الشئ وماهيّته ؛ وهذا الأيمان بعيد جدا من الايمان الذي يحصل لصاحب الذوق بحقيقة