عين القضاة

مقدمة 4

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

النبوّة . ويكاد يكون التصديق المستفاد من العلم بحقيقة النبوّة شبيها بتصديق يحصل لمن لا ذوق له في الشعر بوجود شئ مجمل ، فإنّ من لم يرزق ذوق الشعر قد يتمكّن أيضا من تحصيل اعتقاد ما بوجود شيئى لصاحب الذوق ، ولكن يكون ذلك الاعتقاد بعيدا عن حقيقة الخاصيّة التي يختصّ بها صاحب الذوق . وكنت إذ أمليت تلك الرسالة ابن إحدى وعشرين سنة وأنا الآن ابن أربع وعشرين سنة ولقد أفاضت علىّ الرحمة الأزليّة في هذه السنين الثلاث من أنواع المعارف الغيبيّة ونفائس الأحوال الكشفيّة ما يتعذّر علىّ شرحه ووصفه ؛ وأكثر ذلك مما يستحيل عنه التعبير في عالم المتناطقين بالحروف والأصوات . وأنا أجتهد غاية الاجتهاد أن أذكر منها طرفا في هذه الفصول بأحسن إشارة وأرشق عبارة . والحق الصريح أنّ أكثر الكلمات المذكورة في هذا الكتاب متشابهة غاية التشابه ؛ فمهما رأيت فيها لفظا لم يؤدّ حق المعنى المسبوك في قالبه ، فلا تبسطنّ اليه لسان الاعتراض فلى في ذلك عذران واضحان : الأول أنّى كنت من ذكر المعاني في شغل شاغل عن تنقيح الألفاظ فلم أوردها على أحسن وجوه الايراد ؛ مع أن ذكر تلك المعاني بعبارات تطابقها من غير تشابه فيها ، يكاد يكون محالا لا بل هو كذلك قطعا ويقينا . والثاني أنّى أمليت هذه الفصول لقوم لا يشغلهم تشابه الألفاظ عن درك حقائق المعاني فمن كثرة ممارستهم للحقائق العقليّة صاروا بحيث لا يقطع عليهم طريق الأنس بالملكوت الفهم مع عالم الملك . الغرض الثاني : ( أن تكون هذه الفصول ذخرا يجنّب الطالب مهالك العلم ) إنّ الطريق إلى اللّه - عزّ وجلّ - وعر وسلوكه صعب وفيه ما لا يحصى من البحار المغرقة والنيران المحرقة والجبال الشواهق والفلوات المملوءة بالصواعق ، والعقبات التي تستعصى على الأعين ويمتنع وصفها على الألسن ؛ وكل واحد من السالكين يظنّ بنفسه أنه من