عين القضاة
مقدمة 2
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
يسّرت له فيه أسباب الوصول إلى درجته العليا . ولقد كان إخواني يتوقعون ذلك منى إذ كنت مشتغلا بتحصيل العلم واستفادته ، وقد أكببت طول الليل والنهار على استزادته . ثمّ انقطع طمعهم عن ذلك بعد ما أضربت عن طلب العلم صفحا وطوبت دون الإقبال عليه كشحا . فصارت نفرة القلب عنه إلى حدّ كنت أستبعد معه من نفسي أن أتفرّغ يوما لتمهيد تأليف ، أو أشتغل بتأسيس تصنيف . وكان القلب في لجّة بحر لا ساحل له ، وقد غرق فيه الاوّلون والآخرون ؛ وليس لهم معتصم يعوّل عليه ، ولا مستمسك يلجأ اليه . ثم إني رأيت بعض المخلصين من إخواني تتشوق نفسه إلى الإحاطة بمنتهى نظر العلماء في أصول الدّين ، وموقف أقدام السالكين في طريق البراهين ؛ فلمّا رأيته محتاجا ، في طريقه الذي هو بصدده اليه ، وقفت بضع أيّام من العمر عليه . وقد تشوّشت علىّ أحوال القلب بسببه ، ولكن وطّن نفسي على احتمال ذلك صدق طلبه . على أنّى لمّا استخرت اللّه - عزّ وجلّ - قطع الخواطر الدافعة عنّى بتقديره ، وسخّرنى لهذا الأمر فلم أجد مدفعا لتسخيره . ثم كان القلب يطمئن إلى قوله - عليه الصلاة والسلام - ما خاب من استخار . فابتدأت بإملاء هذه الفصول وقد قدّمت عليها مقدّمة تتضمّن بيان الباعث الأصلي على إملائها ، وأختمها بخاتمة تشتمل على ذكر الوظائف التي لا بدّ للناظر في هذا الكتاب من أن تكون موجودة فيه ، حتى تعظم فائدته من مطالعته . واللّه تعالى ينفع به كل من ينظر فيه ، ويؤيّد باطنه بصفاء يستوعب به معناه ويستوفيه ؛ فهو المستمسك بعروة أنعامه والمستعان في كلّ أمر على كماله وإتمامه « وهو حسبي ونعم الوكيل »