عين القضاة
رسالة 46
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
ونكير « 4 » ولا نتصرّف في ذلك ببضاعة عقولنا الضعيفة . فأكثر أحوال الآخرة إنّما يدرك بنور النبوّة ، وقليل منها يدركه أفراد الأولياء وآحاد الراسخين من العلماء . والقبر إمّا روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النيران ، وعدم رؤيتنا للحفرة والروضة ولمنكر ونكير لا يدل على عدم رؤية الميّت ، إذ نحن في عالم الملك والشهادة والميّت في عالم الملكوت والغيب . وقد قال النبىّ - صلى اللّه عليه وآله - إنّما هما ملكان فظّان غليظان أزرقان يبحثان الأرض « 1 » بأنيابهما « 2 » ويطآن شعورهما ؛ أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف ؛ وعند ذلك قال عمر بن الخطاب : يا رسول اللّه ؛ أفيكون معي عقلي هذا ؟ فقال : نعم ؛ قال : إذا أكفيها ، ثم يبعثر من في القبور ويحصّل ما في الصدور ويردّ الأرواح إلى الأجساد ، والناس يمشون حفاة عراة ويحشرون على صعيد القيامة أشتاتا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة . وليس للعقل إلّا التصديق بهذه الأمور الممكنة ؛ فإمّا أن يدرك ذلك ببضاعته فلا ، بل إذا أدرك العقل صدق الأنبياء وأنّه لا يتصوّر عليهم الكذب كان مضطرا في تصديقهم بجميع ما أخبروا عنه ومن ذلك أحوال الآخرة . وكلّ ذلك حق كالميزان وهو الذي يعرّف العباد مقادير أعمالهم الحسنات منها والسيئات . وكذا الصراط وهو جسر ممدود على متن « 3 » جهنّم كالسيف في حدّته والشعر في دقّته والناس متفاوتون عليه : فمن طائر يطير ومن سائر يسير وحاب يحبو وهاو يهوى به إلى النار في مكان سحيق . وكذا الجنّة والنار وما فيها من أنواع الآلام وأشدّها الخلود في النار مع « 4 »
--> ( 1 ) بحث في الأرض : حفرها ومنه المثل : كالباحث عن حتفه بظلفه - - ( 2 ) ( بأنيابهما ) بأنيابها B . ( 3 ) متن الشئ : ما ظهر منه ؛ متن الأرض : ما ارتفع منها ؛ متن الطريق : وسطها . ( 4 ) ( 1 - 18 ) ونكير . . . مع M - B .