عين القضاة

مقدمة 92

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

بالغيب من غير تشبيه وتمثيل ؛ وطالب بعد ذلك نفسك بمثل هذا الأيمان حتى تكون مؤمنا بالغيب وموقنا بالآخرة كمال قال - تعالى - : « الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ » . وإن لم تجد نفسك متحلّية بمثل هذا الايمان ، فتحقق أن الشيطان قد حولقك ودلاك بحبل غروره . الفصل الواحد والتسعون ( الشروط اللازمة لانفتاح عين البصيرة ) ينبغي لك أن تتأمل تأملا شافيا ، إن كنت من أهل الطلب ، فيما وظفته عليك من شروط الأيمان بالغيب ؛ وتكرّر فيه نظرك مرة بعد أخرى ، حتى يصير التصديق لك طبعا بحيث لا تحتاج معه إلى النظر في المقدمات ؛ وحينئذ يصير باطنك شديد الاستعداد لأن يفيص عليه من اللّه - عز وجل - نور يثمر انشراح الصدر وسعة الحوصلة كما قال اللّه - سبحانه وتعالى - : « أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ » . ومهما انشرح صدرك للايمان بالغيب وفاض على باطنك نور لم تكن تشاهد مثله قبل ذلك ، فاعلم أن ذلك أثر من آثار الطور الذي يظهر بعد طور العقل . وأستوعب جهدك في الطلب ، فإنه يكفيك في الوجدان ؛ فمن طلب وجدّ ، وجد . وأوحى اللّه سبحانه وتعالى إلى داود - عليه السلام - : يا داود من طلبنى وجدني ؛ ومن طلب غيرى لم يجدنى . وهذا يلزم منه بطريق البرهان أن من طلبه لا يتصوّر منه طلب غيره . وإلى مثل ذلك يشير قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : من أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له .