عين القضاة

مقدمة 91

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

يدركه الوهم غير صادق . وكذلك البصر يدرك المحسوسات ، ويكون حكمه فيها منقسما إلى الصادق والكاذب ، فحكمه بأن هذا الجزء مثلا مقداره كذا ، حكم صادق ؛ وحكمه بأن الشمس مقدارها مقدار مجن ، وأن الكواكب مقدارها مقدار دنانير ، حكم كاذب . وليس لذلك مستند إلا أنه لا يدرك البعيد كما يدرك القريب . فكذلك فاعلم يقينا أن حكم العقل بأن اللّه تعالى موجود وواحد وقديم وخالق ، حكم صادق قطعا ؛ وحكمه بأن كل موجود فلا بدّ وأن يدركه كأمور الآخرة ، حكم كاذب قطعا . واعلم بعد ذلك أن اللّه - عز سلطانه - أبعد عن بصيرة العقل من الشمس عن بصر الحس بدرجات لا تتناهى . فلغاية بعده وكمال اشراقه ، يستحيل للعقل ادراكه . فبصيرة العقل بالإضافة إلى ادراكه ، كالخفافيش بالإضافة إلى ادراك نور الشمس ؛ وبصيرة العارف بالإضافة إلى ادراكه ، كالأنسان بالإضافة إلى ادراك قرص الشمس . وحيث الشمس فلا يتصوّر وجود الخفاش ، ولا وجود الإنسان من حيث الحقيقة . الفصل التسعون ( ينبغي للانسان أن يؤمن باسرار الآخرة ايمان الأكمه بالألوان ) الحق الذي لا شك فيه أن علم الساعة مردود إلى اللّه - سبحانه - كما قال : « إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ » ؛ وليس لك أن تؤمن بشئ من اسرارها أصلا إلّا ايمان الأكمه بالألوان . فتأمّل أولا أنه كيف ينبغي للاكمه إذ آمن بالألوان من طريق الغيب ، أن يقطع نظره عن الحواس الأربع ومدركاتها ، حتى يتصوّر له أن يؤمن