عين القضاة
مقدمة 90
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
يقيني حاصر : أن الموجود ينقسم إلى المعقول والمحسوس ؛ فإن كانت أمور الآخرة موجودة فكيف يجوز لقائل أن يقول بأنها لا تناسب المعقول ولا المحسوس ؟ وعليك الآن أن تصبر صبرا جميلا حتى أبيّن لك موضع الخلل في ذلك . ثم عليك بعد ذلك أن تراجع نفسك وتطالبها بالانصاف حتى لا يستولى عليك في اعتراضها جهل بما تسمع . فاعلم أن الأكمه أيضا تنحصر الموجودات عنده كلها في المحسوس والمعقول ؛ وكذلك تنحصر عنده من وجوه كثيرة ، كانحصارها في القديم والحادث ، والسبب والمسبّب ، والناقص والكامل ؛ ومع ذلك فإذا قيل له أن الألوان لا تناسب المعقول ولا المحسوس ، كانت هذه القضية صادقة إذا أردنا بالمحسوس ما يدركه بالحواس الأربع . والأكمه قد يكذّب بها ويقول : إذا كان الوجود بكليته منحصرا في المعقول والمحسوس ، فكيف يجوز أن لا تكون الألوان محسوسة ولا معقولة مع أنها موجودة ؟ وليس لتكذيبه هذا مستند إلا أنه حضر المحسوسات في مدركات الحواس الأربع . فكذلك إذا قلنا : أمور الآخرة لا تناسب المحسوس ولا المعقول ، فكذّب به الجاهدون ، لم يكن لتكذيبهم مستند أصلا إلا أنهم حصروا المحسوسات في مدركات الحواس الخمس ؛ وليس ذلك بلازم البتة . وحصر الموجودات كلها فيما يدرك بالحس والعقل أيضا ، ليس بلازم ، فكم من شئ يعجز العقل عن ادراكه ، ويكون كالوهم إذا عجز عن ادراك كثير من العقليات الصرفة الغامضة ؛ وذلك لا يدل على أن كل ما