عين القضاة
مقدمة 82
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
الفصل التاسع والسبعون ( سبب اختلاف النفوس في تكوينها ) لعلك الآن تشتهى أن تعرف السبب الموجب لوجود النفس . فاعلم أن الحق ، الذي لا ريب فيه أصلا عند أرباب القلوب المختصين ببصائر تدرك المعارف التي يقصر العقل عن ادراكها بالضرورة ، هو أن النفوس مختلفة اختلافا لا يدخل تحت الحصر درجاته ، وأن ذلك الاختلاف ليس كاختلاف الأنواع ولا كاختلاف الأجناس بل اختلاف النفوس وراء ذلك كله . فمن النفوس مالم يكن بينها وبين الحق الأول واسطة ؛ وهذه قضيّة يقصر العلم والعقل عن ادراكها ، فترى المتحذلق عند سماعها يبادر ويقول : كيف يتصوّر ذلك والنفس تتغير بأنواع مشهورة من التغيرات واللّه - تعالى - يتنزّه عن طرآن التغير عليه ؟ فكيف يجوز أن يكون هو تعالى بذاته من غير واسطة شئ ، سببا لبعض النفوس ؟ وعن هذا المعنى يكنى القرآن بقوله : « ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ » . واليه أشار قوله - عليه الصلاة والسلام - إنّ اللّه خلق آدم على صورة الرحمن » ؛ وقوله - عليه الصلاة والسلام - ما خلق اللّه شيئا أشبه به من آدم - عليه السلام - ولعلك إذا أدركت وجود الحق حق الإدراك ، بحيث يحيط بالأزمنة كلها ماضيها ومستقبلها على التساوي ، شممت شيئا من روائح ذلك . والكلام في أمثال هذه النفوس ليس بجائز ولا أيضا يتأنى ذلك لأحد . وكيف