عين القضاة

مقدمة 83

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

لا وأقلّ احكامها ما ذكرناه ، واسماع العقول تمجها وتنبوعن ادراكها ؛ فالإعراض عن ذلك إلى ذكر ما هو مقبول عند العقلاء قاطبة أولى . فاعلم أن النفوس ، الا قليلا منها ، توسّطت بين وجودها ووجود الأول وسائط كثيرة ، وعدد الوسائط في كل نفس لا يحيط به إلا علم اللّه أو علم من رشحه لذلك . وهذه النفوس كلها تشترك في كونها مسبّبة لأسباب غيبة ملكوتية . الفصل الثمانون ( علة انجذاب النفس إلى البدن ) إنما اختصّ كل بدن بنفس مخصوصة لكون كل نفس مخصوصة بصفة اقتضت ذلك مع وجود شروط أخر متعلقة بالحركات السماوية . والعبارة ضيّقة عن حقيقة تلك الصفة التي اختصت بها كل نفس ، وعن تلك الشروط جميعا ؛ ولعله يقلّ في الخلق من يتصوّر إحاطة علمه بذلك ، لست أعنى العلم الذي يستفاد من طريق التعليم ، فإن حصول ذلك من تلك الطريق يكاد يكون كالمحال . ولعل انجذاب كل نفس إلى بدنها المخصوص بها يشبه انجذاب الحديد إلى المغناطيس ، وانجذاب الذهب إلى الزيبق ، وانجذاب كل جسم إلى حيّز مخصوص ؛ وليس في شئ من ذلك عند العارفين شبهة . وإذا كانت العقول عاجزة عن ادراك حقيقة المعنى الذي به ينجذب الحديد إلى المغناطيس مع أنه مشاهد محسوس للعقلاء قاطبة ، فأىّ عجب لو عجزت عن ادراك تلك المناسبات التي بين الأرواح والأجسام وهي خارجة عن الحصر والحد والعد ! واعلم يقينا أن العارف لا يستبعد أصلا انجذاب كل نفس إلى بدنها كما أن العقلاء لا يستبعدون أصلا انجذاب كل جسم إلى حيّز مخصوص .