عين القضاة
مقدمة 75
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
بي أن اقتصر على القدر المذكور وأقول : قد ظهر أن قول القائل ، العالم قديم بالزمان ، هوس محض ؛ فنظمه في غاية الفساد . وبعد ذلك فربما يقول : هبني سلّمت ذلك في السماوات والأرض فما تقول في الموجود الأول : هل كان مساوق الوجود لوجود الباري تعالى ؟ فإن قلت نعم ، فقد أثبت معه قديما ؛ وإن قلت لا ، فنفرض الكلام فيه ونقول : إن لم يكن موجودا ثم وجد ، فلما ذا لم يكن موجودا قبله ، والسبب بكماله موجود ؟ وحين وجد فهل ظهر سبب أم لا ؟ فإن قلت لا ، فهو محال إذ يلزم منه حدوث حادث بلا سبب ؛ وإن قلت نعم ، ظهر سبب ، فظهور سبب معدوم استمرّ في العدم على وتيرة واحدة ثم ظهر وجوده محال ، لأن ظهوره في ذات الواجب محال ولا موجود ثم غير الواجب حتى يثبت وجوده شرطا كما قلت ذلك في حق موجود يوجد بعد العدم . فاعلم أن القبل والبعد وجدا بعد وجود الزمان ، ولم يكن إذ ذاك إلا قبليّة الذات والشرف ، وقولنا إذ ذاك متشابه فإنه مشعر بوجود الزمان . وقبلية الشرف والذات بين الواجب الوجود بذاته وبين الموجودات الحادثة منه ، ليس لها حد ومنتهى . فإذا لا قول أصدق من قولنا : أن اللّه كان موجودا قبل الموجود الأول قبليّة لا تتناهى ؛ ولعل الآن يتجلى لك حقيقة قوله - عليه الصلاة والسلام - : « خلق اللّه الأرواح قبل الأجساد بالفىّ الف عام » وأنه لم قدّر تلك القبلية بمقدار متناه من الزمان ، وهذا سرّ عظيم . فالطريق من كل ممكن إلى كل ممكن متناه ، والطريق من كل ممكن إلى الواجب غير متناه . ولو لم يكن كذلك لزم أن يكون ما يتناهى أكثر مما لا يتناهى ، و