عين القضاة

مقدمة 74

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

من حيث لا تدرى ؛ ويكون مثالك مثال صانع متبحر في صنعته فاشتغل بالعلوم النظرية وتحصيلها من نفسه ، فاستنكف من متابعة غيره من النظار ، ولم يكن لذلك مستندا إلّا عجب أثمره تبحّره في صنعته . فمن الضلالات الغالبة على أهل العلم أنهم إذا أضمروا على السلوك ظنوا أنهم يستغنون عن عارف بمهالك الطريق يهديهم في كل خطوة ؛ وقلما ينجو أحد من النظار والعلماء من هذا العجب الذي ثمرته الأستنكاف من المتابعة لأهل المعرفة ، إذ يبعد من العالم الذي يرى الكمال فيما حصّله من العلم أن يرى الجاهل بذلك فوق نفسه ؛ وذلك لظنه الفاسد المغلوط بأن كل كمال فهو من المسائل التي تلقنها ، فلا يعلم وراء ذلك شيئا . واللّه الذي لا إله إلّا هو حلفة صادقة ويمينا برّة أن العالم وإن انتدب لخدمة بعض المشايخ فمادام يفرّق بين نفسه في الحاجة اليه وبين غيره من جهّال اقرانه ، فهو بعد في تضييع زمانه غير مقبل على شأنه . ولا تفهم هذه المعاني أصلا إلّا إذا صرت لها بعد التجربة اهلا . وإن ظننت أنك تصل إليها قبل التجربة ، فأنت بعد ضحكة الشيطان وفي مثلك قيل : وإذا رأى الشيطان غرّة وجهه * حيّى وقال فديت من لا يفلح الفصل الثاني والسبعون ( ليس اللّه قبل الموجودات قبلية زمانية بل قبلية الشرف والذات ) اعلم أن هذه الفصول المعتبرضه في أثناء الكلام كثيرة النفع ولكن عند الأقلين . والمعجب بعقله وعلمه لا يتأثر بها غالبا فلا ينتفع بها ؛ وإذا كان ذكرها عرضا فالأولى