عين القضاة
مقدمة 54
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
فإن استناد الذوات الموصوفة إلى موجدها بدرجة ، واستناد الصفات التابعة اليه بدرجتين . هذا حكم الممكنات في إمكانها إذا وجدت ، وأما الممكن الذي لم يوجد ، فليس له بعد ذات ولا صفات ؛ فكيف يطلب له ولصفاته سبب والمعدوم لا يطلب له سبب وإنما يطلب السبب لموجود بعد العدم ؟ وإنما ذكرت ذلك لأن قولهم : الامكان للممكن من ذاته ، له معنى صحيح ؛ وكثيرا ما تغلط الأوهام فيه ، فليستعن بما ذكرته في الاحتراز من تغليط الوهم . وهذا بعينه الجواب عن قولهم : الاستحالة للمستحيل ، من ذاته ؛ فالمستحيل إذا لم يكن له ذات فكيف يطلب لاستحالته ، التي هي صفة تابعة ، سبب ؟ ! فإذا قيل : العدم للمعدوم ، من ذاته ، كان له معنى صحيح عند الراسخين في العلم ؛ ولا يجوز أن يتوهم للمعدوم ذات ، ثم يتوهم العدم شيئا موجودا لتلك الذات ؛ فإن العدم معناه صفة ، والصفة لا توجد إلّا بعد وجود الموصوف ؛ فكيف يوجد العدم ، والمعدوم الذي هو موصوفه معدوم ؟ فأوهام الضعفاء تغلط كثيرا في أمثال ذلك والمحققون يتيسّر عليهم الاحتراز عما يضاهى هذه الأغاليط . الفصل الخمسون ( لما ذا خلق اللّه العالم في وقت ما ولم يخلقه قبل ذلك الوقت أو بعده ) فالسماوات والأرضون وجدت حين وجدت من القدرة الأزلية ، ولم يكن قبل وجودها قبل ولا بعد حتى يقال لم لم توجد قبل ذلك . فإن القبل والبعد عارضان من عوارض الزمان ، والزمان لا يوجد إلّا بعد وجود الأجسام . فكما لا يجوز أن يكون قبل وجود الأجسام فوق ولا تحت ، لأنهما عارضان من عوارض المكان ؛ فكذلك لا يجوز أن يكون قبل وجود الأجسام قبل ولا بعد ، لأن ذلك موقوف الوجود على وجود الزمان ،