عين القضاة
مقدمة 55
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
والزمان موقوف الوجود على وجود الحركة ، والحركة موقوفة الوجود على وجود الأجسام ؛ فكان الزمان ظرف الحركة كما أنّ المكان ظرف الجسم . الفصل الواحد والخمسون ( القول بأن العالم قديم بالزمان هوس محض ) قول القائل ، العالم قديم بالزمان ، هوس محض لا طائل تحته ؛ إذ يقال له : ما الذي تعنى بالعالم ؟ فاما أن يقول : أعنى به الأجسام كلها كالسماوات والأمهات ؛ وإما أن يقول : أعنى به كل موجود سوى اللّه تعالى ، وعلى هذا تكون العقول والنفوس والأجسام كلها داخلة تحت لفظ العالم ، فإن قال : أعنى بالعالم كل موجود ممكن من الأجسام وغيرها ، فعلى هذا يكون أكثر الموجودات المندرجة تحت لفظ العالم غير متوقّف الوجود على وجود الزمان ، بل يكون بالضرورة سابق الوجود عليه ؛ فكيف يقال : العالم قديم بالزمان وأكثر موجودات العالم سابق الوجود على الزمان ؟ وإن قال ؛ أعنى بالعالم الأجسام كلها ؛ فلا يجوز على هذا الوجه أيضا أن يقال : الأجسام قديمة بالزمان ؛ فإن معنى ذلك أن الأجسام موجودة مذكان الزمان موجودا ، فيكون مشعرا بأن الزمان سابق على الأجسام في الوجود ، وليس كذلك ؛ فإن الأجسام سابقة الوجود على الزمان ، والزمان متأخر الوجود عنها وإن كان كذلك بالرتبة والذات . فإن قال قائل : ليس المراد بقولنا العالم قديم بالزمان ما ذكرتموه ؛ فنحن لا نفهم من قوله إلّا ذلك . وقد تكلّمنا على ما فهمنا ، فأما ما لم نفهمه من مقاصده فالكلام عليه من شأن العميان . فعليه ان يبيّن معناه على ما فهمه فإن كان حقا وصدقا وافقناه في ذلك ، وإلّا تكلّمنا عليه حسب الوسع والطاقة .