عين القضاة
مقدمة 38
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
في غاية الوضوح ؛ ولكنه ظاهر الصدق إذا اعتبر في معناه وجهان ، وأطلق على مقتضى معنيين مختلفين . وبيانه أن الشئ قد يكون موجودا من وجه ، ومعدوما من وجه آخر ؛ وهذا حكم كل موجود سوى الموجود الذي وجوده قائم بذاته . فإن كل ممكن إذا نظر إلى ذاته ولم يعتبر قيوميّة الواجب له ، كان معدوما من حيث ذاته ؛ ومهما نظر اليه واعتبر من حيث الوجه الذي يلي قيوميّة الواجب ، كان موجودا ؛ وإلى مثل ذلك يشير القرآن العظيم والكلام القديم حيث يقول : « كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ » . وعلى شئ شبيه بذلك ينبّه قول النبي - عليه الصلاة والسلام - حيث يقول : أصدق بيت قالته العرب قول لبيد : ألا كل شئ ما خلا اللّه باطل * وكل نعيم لا محالة زائل الفصل الثاني والثلاثون ( مسألة تعدد الصفات ووحدة الذات ) الصفات عين الذات ، إذا نظر إليها من الوجه الذي بلى الذات ؛ وعلى هذا لا يكون فيها تغاير أصلا والبتة . وهي غير الذات ، إذا نظر إليها من الوجه الذي هو انقسام الوجود إلى الاقسام المتعددة ؛ وعلى هذا الوجه تكون الصفات متغايرة ومتعددة . وهذا له مثال واضح ، ولعل نفسك لا تقنع إلّا بعد سماعه ؛ فهو الذي يكسر سورة استبعادها بالكليّة لما نحن فيه ، ويقطع دابر إنكار المتحذلقين عليه . فاعلم أن العشرة لها في ذاتها معنى مفهوم ؛ وذلك المعنى واحد لا ينقسم ويدل عليه لفظ العشرة . فأما إذا اعتبر منها نسبته إلى الخمسة ، دلّ عليها بلفظ الضعف ، وإذا اعتبر نسبتها إلى العشرين دلّ عليها بلفظ النصف ، وإذا اعتبر نسبتها إلى الثلاثين دلّ