عين القضاة
مقدمة 32
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
يحصل غرضه ؛ فكثير ممن لا يكون لهم ذوق الشعر ولا يدركون فرقا بين المنظوم والمنثور ، صدّقوا بوجود قوة في غيرهم ، فشأنهم ادراك ذلك الفرق ؛ وذلك لكثرة مجالستهم لأقوام لم يحرموا تلك القوة ، فصاروا مؤمنين بالغيب ايمانا يقينا . الفصل الخامس والعشرون ( صفات اللّه في نظر كل من العقل والبصيرة ) صفات اللّه تعالى منقسمة إلى ما يدرك من طريق النظر في بعض الموجودات وانصافها بصفات مخصوصة كالحكيم والصانع والخالق ، وهذه الصفات يتصور للعقل ادراكها ؛ فأما الصفات التي لا تعلّق لها بموجود أصلا ، فادراكه ذلك وحقيقته موقوف على ظهور الطور الذي بعد العقل ، وذلك كصفة الكبرياء والعظمة والجمال والبهاء فإن كل ما يدركه العقل من معاني هذه الألفاظ بعيد عن حقائقها . فإياك أن تغتر بظواهر الأمور فإن الطبع مجبول على التجلّى بكل كمال مع التعرّى منه ؛ فلا يعترف بالعجز ، بل يخوض فيما يجوز له فيه الخوض وفيما لا يجوز ، ويزاحم فيما يمكن له ادراكه وفيما لا يمكن مزاحمة الوهم للعقل من مدركاته . وحسبك شاهدا على تكذيب الطبع ، إذ قال لك أن العقل يمكن له ادراك الجمال الأزلي ، أن تقول له : الجميل يترك للأجمل ، فما بالك لا تترك له ما سواه مع أن أجمل الأشياء بالإضافة إلى جماله أقبح من كل قبيح ؟ وعند ذلك يفزع الطبع إلى هذيانات أشفق على زماني أن أضيعه في ذكرها ، وفي وجه الخلل في كل واحد منها . ومن ساعدته هذه الدولة ، فرزق شيئا من حقيقة الطور المشار اليه حتى أدرك به من الجمال الأزلي قدرا قدّر له ادراكه ، فهذا القدر يكفيه شاهدا على الغرض المطلوب .