عين القضاة
مقدمة 13
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
السابقين ، وجود موجود قديم ، بالضرورة . وهذا هو الاستدلال على القديم من طريق الوجود ؛ ولا يتصوّر أن يكون وراء هذا البيان بيان ، لا في الإيجاز ولا في التحقيق . وبعد ذلك فلا بدّ لك من البحث عن صفات هذا القديم ، الذي ثبت وجوده بطريق البرهان الضرورىّ ، وأنّه كيف ينبغي أن يكون هذا القديم . وذلك مشهور والكتب به مشحونة ؛ فليس هذا الكتاب مما يحتمل بيان جميع ذلك ، فلكل مقام مقال مخصوص . والغرض من هذا الكتاب بيان أمر هو أشرف من العلوم العقلية فلا نطوّله بذكرها . فاعلم الآن وتيقّن أن ما انتهى نظر النظار فيه إلى هذا الحد من الوضوح ، فالغالب علىّ أن لا أتعرّض أن أذكره في هذه الفصول إلا إذا احتجت إلى ذلك في شئ ممّا وراءه . الفصل الثالث ( وجود اللّه وصفاته في نظر العارف ) لا شك عند ذوى البصائر النافذة في حجب الغيب وسرادقات الملكوت ، في وجود معنى صدر عنه الوجود على أتمّ الوجوه ؛ وهو الذي عبّر عنه خارج الحجب في لسان العرب بقولهم اللّه تعالى . وأعنى بذوي البصائر من يدرك وجود ذلك المعنى من غير مقدّمة علمية ، كما هو حال أهل النظر . وذلك المعنى يتعالى ويتقدّس عن أن يطمح نحو حقيقته نظر ناظر سواه . وسبحانه عن أن يطمع طامع في جواز ذلك ، فهو المتعزّز بذاته لا عن ذاته ؛ فذاته ونفسه هي التي اقتضت هذا التعزز على الغير ، كما أن الشمس بذاتها تقتضى في كمال سلطان إشراقها أن تكون متعززة عن أن تمتد