عين القضاة
96
شرح كلمات بابا طاهر العريان
قال : ( المريد والمراد في الأصل واحد ، ولكنّ الفرق بينهما أنّ المريد مطلوب بالإرادة ، والمراد مطلوب بالحقيقة ، ثمّ المريد مراد ، والمراد مريد ) . أقول : إنّما كان المريد والمراد واحدا في الأصل ؛ لأنّ اللّه سبحانه أراد في الأزل ظهوره في الأبد ، ولهذا ورد حكاية عنه « كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف » « 1 » ، فما أراد إلّا نفسه ، فكان مريدا ومرادا ، وهذا بالنسبة إليه . وأمّا بالنسبة إلى الخلق ، فبين المريد والمراد فرق ، وهو أنّ المريد مراد من اللّه بإعطاء الإرادة له ، والمراد مراد منه بكشف الحقيقة له ، فالمريد مراد من وجه ، ومريد من آخر ، فصحّ قوله : ( المريد مراد ، والمراد مريد ) . قال : ( طلب الشيء بالحقيقة بعض وجوده ) . أقول : الضمير في ( وجوده ) للشيء ، واللّام في ( الشيء ) للاستغراق ، أي طلب كلّ شيء نتيجة بعض وجود ذلك الشيء ؛ لأنّ الطلب مسبوق بوجود المطلوب في الذهن ، فيطلب وجوده في الخارج ، والوجود الذهني لكلّ شيء بعض وجوده ، فالمطلوب موجود باعتبار ، مفقود بآخر ؛ أو لأنّ حقيقة الطلب ميل الفرع إلى الأصل ، وحنين الجزء إلى الكلّ ، أراد اللّه تعالى أن يكون هذا المعنى في ميل كلّ جزء من الأركان الأربعة إلى مركز أصله ، وأنّه لو لم يكن في الطالب جزء من المطلوب ما صحّ طلبه . وقال : ( من لم يحسن الطلب لم يتحقّق في المطلوب ، لأنّ وجدان المطلوب يقيم الطالب على حسن الطلب ) . أقول : يعني لا يوصل إلى المطلوب إلّا حسن الطلب ، فمن لم يحسنه لم يجد المطلوب ، ومن حسن الطلب مفارقة كلّ مانع عن المطلوب ، وهو كلّ مّا سواه ، ومن ذلك أنّ لا يطلبه من الخارج ، بل يطلبه من نفسه في نفسه ، بأن يعلم يقينا أنّ الباعث على الطلب وجود المطلوب فيه ، ولولاه ما طلب ، كما ذكر .
--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2016 ) [ 2 / 173 ] ؛ والهروي في المصنوع [ 1 / 231 ] .