عين القضاة
97
شرح كلمات بابا طاهر العريان
وقال : ( الطلب حجاب المطلوب ، والمطلوب حجاب الطالب ) . أقول : ما دام يطلب الطالب مطلوبه من الخارج ، كان طلبه حجابا عنه ، وإذا انكشف المطلوب ، وبقي الطالب فيه ، يكون الطالب عين المطلوب ، والمطلوب حجابه . وقال : ( السير في الطرق المجهولة تهلكة ) . أقول : أراد بالطرق المجهولة طرق الطلب من الخارج ، فإنّ الطرق المعروفة الواضحة هي نفس الطالب ، يصل إلى مطلوبه بالسير فيها ، فمن سار في الطرق المجهولة الخارجة عنه ، وطلب مطلوبه فيها ، هلك ، ولم يصل إليه . وقال : ( من ظنّ أنّه يصل بالاجتهاد فالاجتهاد حجابه ، ومن ظنّ أنّه يصل بغير الاجتهاد فالتمنّي حجابه ) . أقول : يعني من اجتهد في طلب المراد ، وظنّ أنّه بالاجتهاد يصل إليه ، كان ظنّه حجابا يمنعه عنه لأنّ الموصل إليه عنايته به ، ومن لم يجتهد في طلبه ، وظنّ أنّه يصل إليه بغير الاجتهاد ، كان ظنّه هذا تمنّيا ، والمتمنّي محجوب عن مراده بالتمنّي ، فالواصل إليه هو الذي يجتهد ، ولا يرى اجتهاده سبب الوصل . وقال : ( الاجتهاد حقيقة الاختبار ، والوجد حقيقة الاختيار ، وبين الاجتهاد والوجد ، مراد اللّه تعالى بالاختيار ) . أقول : الاختبار والامتحان والابتلاء بمعنى ، والاختيار والاصطفاء والاصطناع كذلك ، واجتهاد العبد في طلب الحقّ حقيقة الابتلاء من اللّه ؛ ليصفّيه بذلك عن دنس الهوى ، كما يصفّى الذهب الخالص من شوب الغشّ بالنار ، ووجده بعد الاجتهاد حقيقة الاصطفاء ، لا نتيجة الاجتهاد ؛ فإنّه لولا اصطفاء اللّه لنفسه ما وجده باجتهاده ؛ إذ ليس بين الاجتهاد والوجد ، إلّا مراد اللّه باصطفائه . وقال : ( من طلب الحقّ لحظّه وجده لحظّه ، ومن طلبه لحبّه وجده بحبّه ) . أقول : أي لا يوجد الحقّ إلّا بترك الحظّ ، فمن طلبه مع طلب حظّه وجده ؛ لأجل حظّه ، لا لذاته ، ومن طلبه لا لطلب حظّه ، بل لحبّه إيّاه ، وجده لذاته ، بسبب حبّه .