عين القضاة

92

شرح كلمات بابا طاهر العريان

وقال : ( من كان في جهده مراعيا للمراد فيه ، كان جهده على حسبة ، ومن لم يرع المراد فيه فقد خسر الدارين ) . أقول : الحسبة والاحتساب طلب الأجر ، والضمير في ( فيه ) يعود إلى الجهد ، وهو بذل الطاقة في العبودية ، والمراد الحقيقيّ من الجهد والعبوديّة امتثال أمر المعبود به ، لا لغرض نفساني ، فمن كان في جهده وطاعته مراعيا للامتثال ، كان جهده على طلب أجر حقيقيّ ، وهو رضا المعبود ؛ لأنّه أصل كلّ عطيّة سنيّة ، وموهبة هنيئة ، ومن لم يرعه ، وطلب على جهده غرضا دنياويّا ، لا يرجع من اللّه بأجر نافع ، لا في الدنيا ، ولا في الآخرة ، وذلك هو الخسران المبين . وقال : ( بذل المجهود بغير حسبة خسران ) . أقول : معناه ظاهر . بيان الإرادة والطلب قال : ( من أراد الحقّ فارق الخلق ، ونفسه من جملة الخلق ) . أقول : يعني شرط صحّة الإرادة مفارقة ما يمنع من المراد ، وهو الخلق ، فمن أراد الحقّ وجب عليه مفارقة الخلق ، ويدخل فيها مفارقة النفس ؛ لأنّها من جملة الخلق ، وهذه المفارقة مفارقة بالقلب والمعنى ، لا بالقالب والصورة ، وإن كانت المفارقة الصوريّة في البداية عونا على المفارقة المعنويّة ، لكنّها في النهاية غير معنيّة ، بل حضور الخلق في النهاية يكون سببا لمزيد الحال ؛ إذ وجود الفعل مع المانع أقوى . فالغيبة عن الخلق بالباطن مع حضور الظاهر أقوى من الغيبة بالظاهر والباطن ، وممّا يشهد بأنّ المعتبر هو المفارقة المعنوية - لا الصوريّة - دخول النفس في الخلق ، ولا شكّ أنّ مفارقة النفس في الخلق لا تكون إلّا بالمعنى . وقال : ( من أراد اللّه لنواله أراده بنواله ، فخوّله ، ومن أراد اللّه لوصاله أراده بوصاله ، وخوّله معرفة اتّصاله ) . أقول : التخويل بمعنى الإعطاء ، والضمير المتّصل في ( أراده ) للّه ، والمنفصل عائد إلى ( من ) ، وكذلك في : ( خوّله ) ، وسائر الضمائر