عين القضاة
93
شرح كلمات بابا طاهر العريان
المنفصلة تعود إلى اللّه سبحانه ، واللّام الجارة في ( لنواله ) و ( لوصاله ) للغرض . يعني من أراد اللّه لينال منه نوالا وعطيّة في الدنيا والآخرة ، أراده اللّه بإيصال ذلك النوال إليه فأعطاه ، ومن أراده لا لغرض سواه ، بل لوصاله ، أراده اللّه تعالى بإسباغ نعمة الوصل ، وأعطاه معرفة كيفيّة اتّصاله . وحاصل هذا الكلام أن يعرف العبد منزلة من أراد اللّه إيّاه ، بمعرفة منزلة اللّه عزّ وجلّ من إرادته ؛ كما ورد في الخبر : « من أراد أن يعرف منزلته عند اللّه سبحانه ، فلينظر منزلة اللّه عنده » « 1 » . قال : ( من أراد الوصول تعلّق بالأصول ) . أقول : عرّف بهذا كيفيّة طلب الوصول ، وهو التمسّك بأصول الشريعة ، والطريقة ؛ لأنّ الوصول إلى الحقيقة لا يتحقّق إلّا بملازمة تلك الأصول . وقال : ( الإرادة إشارة الثبات مع المراد ، والتهمة نفي الثبات وإثبات المراد ) . أقول : يعني حقيقة الإرادة أن يثبت المريد مع المراد ، ولا يريد منه مرادا إلّا مراده ، والتهمة في الإرادة ، أي الكذب والغلط ، لا يثبت مع مراد المراد ، بل يثبت لنفسه مرادا . قال : ( من أراد العلم تسلّى بالطّلب ، ومن أراد الحقيقة تسلّى بالعطب ، ومن أراد الحقّ تسلّى بالهرب ) . أقول : التسلّي في الأصل إظهار السلوّ عن الشيء ، ويستعمل في سرور القلب بوجودان المراد ، كما في هذه المواضع .
--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما بلفظ : « خرج علينا النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « يا أيها الناس إن للّه سرايا من الملائكة تحلّ وتقف على مجالس الذّكر في الأرض فارتعوا في رياض الجنة » ، قالوا : وأين رياض الجنة ؟ قال : « مجالس الذّكر فاغدو وروحوا في ذكر اللّه وذكّروه أنفسكم من كان يحبّ أن يعلم منزلته عند اللّه فلينظر كيف منزلة اللّه عنده ، فإن اللّه ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه » » . كتاب الدعاء والتكبير . . . ، حديث رقم ( 1820 ) [ 1 / 671 ] ؛ ورواه الطبراني في المعجم الأوسط ، حديث رقم ( 2501 ) [ 3 / 67 ] ؛ ورواه غيرهما .