عين القضاة

87

شرح كلمات بابا طاهر العريان

وقال : ( من وجد حسّه في المراقبة ، فالمراقب وكّل في وقته إلى نفسه ) . أقول : يعني لمّا كانت المراقبة رقبة العبد ، ونظره إلى رقبة اللّه ، ونظره إليها ، فصحّتها بأن يزيغ بصر القلب عن النظر إلّا للحقّ ، فلو وجد المراقب في مراقبته نفسه ، ووجد الإدراك حسّه ، فهو في حاله موكول إلى نفسه ، محجوب بها عن حاله ، أي لا يكون مراقبا ، لفقدانه حقيقة المراقبة . وقال : ( المشاهدة علم بالأخبار ) . أقول : أي مشاهدة القلوب تحدث بمعاينة الغيوب ، لا بإخبار مخبر ، فإنّ العلم الخبري إيماني ، لا عياني . وقال : ( من شهد وجوده قبل عدمه تزندق ، ومن شهد وجوده بعد عدمه تحقّق ) . أقول : للعبد وجودان : الأوّل : فان ، وهو قبل العدم ، أي الفناء . الثاني : باق ، وهو بعد العدم الأوّل . والأوّل قائم بالعبد فهو حجاب لا يبلغ المرء مبلغ التحقيق إلّا برفعه ، فمن شهده مع الحقّ صار زنديقا ؛ لأنّ وجوده ظلمة ، ووجود الحقّ نور ، والزنديق هو القائل بالنور والظلمة ، والثاني قائم باللّه فيدوم بدوامه ، حيث يقوم بقيامه ، ومن شهده تحقّق ، أي أخذ الحقّ وترك الباطل . وقال : ( من شهد النعمة قبل المنعم أحبّ اللّه لنعمائه ، ومن شهد المنعم قبل النعمة أحبّ اللّه لمعنائه ) . أقول : النّعمى مصدر بمعنى النعمة ، وضمير ( نعمائه ) عائد إلى اللّه ، كما في ( معنائه ) ، ومعنى اللّه الذات الإلهيّة ؛ لأنّه علم لها ، وقوله : ( قبل المنعم ) ، أي قبل شهوده ، وكذلك ( قبل النعمة ) . أراد الفرق بين من يحبّ اللّه لذاته ، وبين من يحبّه لإنعامه عليه ، بأنّ المحبّ لو شهد النعمة أوّلا ، ثمّ المنعم ، فهو محبّ النعمة لذاتها ، والمنعم لنعمائه ، وإن شهد بالعكس ، فهو محبّ المنعم لذاته ، والنعمة لأنّها منه .